في قلب المغرب الشمالي، أمام محطة القطار بمدخل مدينة القصر الكبير، تتكشف قصة إنسانية مؤثرة. السيدة نعيمة، كغيرها من سكان المدينة، تقف في طابور طويل، تنتظر بصبر الدور للتنقل إلى بر الأمان، بعيدًا عن خطر الفيضانات التي اجتاحت أحياء المدينة القديمة. هذا المشهد، الذي يعكس حجم الأزمة والتضامن في آن واحد، يروي قصة مدينة تواجه تحديًا غير مسبوق، ويبرز روح التكاتف التي سادت بين سكانها.
فيضانات القصر الكبير: قصة صمود وتضامن
لم تكن المياه التي اجتاحت القصر الكبير مجرد تهديد عابر، بل تحولت إلى واقع مرير اضطر السكان لمواجهته. حالة التأهب القصوى تسيطر على المدينة، مع تطويق الأحياء المتضررة بمتاريس حديدية، وانتشار سيارات الإسعاف والقوى الأمنية لتنظيم حركة السكان وتخفيف الذعر. حول نعيمة، يتحرك المتطوعون، يوجهون كبار السن، ويساعدون الأطفال، وينقلون أمتعة الأسر الضرورية، في مشهد يختصر حجم الأزمة.
لحظات من الخوف والأمل
تتذكر نعيمة الساعات الأولى من الفيضان، حين بدأت المياه تتسلل إلى الشوارع وتغمر المنازل. “القصر الكبير كبير بناسه”، تقولها للجزيرة نت بأسى، معبرة عن حبها لمدينتها وحزنها على ما آلت إليه الأمور. وتضيف أنها تتجه إلى مدينة أصيلة في انتظار انتهاء الأزمة، مؤكدة أن رؤية المتطوعين وهم يحاولون النجدة أعطتها شعورًا بالأمان وسط الخوف.
تدخل فوري ومبادرات إنسانية
سارع سكان القصر الكبير إلى التدخل الفوري لمساعدة المتضررين. يصف محمد بريطل، أحد المتطوعين، اللحظات الأولى قائلاً: “وجدنا أنفسنا جنبًا إلى جنب في الجمعيات التي نعمل بها، منخرطين تلقائيًا في العمل بما نستطيع من توعية واتصالات”. قام محمد وزملاؤه بتفقد أحوال السكان عبر الهاتف والواتساب، وقضوا الليل متسمرين أمام شاشات الهواتف، يلبون نداءات الاستغاثة ويشاركون في إجلاء الأسر.
حجم الكارثة وتأثيرها على السكان
حُوصرت أحياء بكاملها، وارتفع منسوب الماء بسرعة غير متوقعة. مشاهد العائلات المحاصرة، خاصة الأطفال وكبار السن، كانت مؤلمة للغاية. لكن روح العطاء والتطوع سادت الموقف، حيث سعى كل فرد لتقديم يد العون، ولو بكوب ماء أو بطانية أو كلمة طمأنة. هذه الكارثة سلطت الضوء على أهمية المساعدة الإنسانية في أوقات الأزمات.
الإيواء المؤقت وتوفير الاحتياجات الأساسية
بعد الساعات الأولى من الفيضان، ازدادت الحاجة إلى الإيواء المؤقت. في البداية، فتح المتطوعون والجمعيات بيوتهم لاستقبال المتضررين، قبل أن يتضح أن إخلاء الأحياء المهددة أمر لا مفر منه. المحامية نجوى الشيبة توضح حجم المبادرات الإنسانية، قائلة: “شهدت مدينة القصر الكبير إطلاق عدد من المبادرات لتوفير الإيواء والمواد الغذائية والدعم الأساسي”.
دور المجتمع المدني في مواجهة الأزمة
شارك متطوعون وناشطون في المجتمع المدني في هذه الجهود، إلى جانب مبادرات فردية، مما ساهم في التخفيف من معاناة المتضررين وتعزيز قيم التضامن والتكافل الاجتماعي. إحدى المبادرات تهدف إلى إيواء 100 من المتضررين وتوفير التغذية لهم. كما شهدت مراكز الإيواء لحظات من التواصل الاجتماعي بين الأسر، حيث تبادل السكان الخبرات وتشاركوا في إعداد الطعام، في مشهد يذكر بأهمية الدعم النفسي في مثل هذه الظروف.
عمليات الإجلاء والنقل إلى مدن أخرى
شكل النقل تحديًا مزدوجًا، بين الوصول إلى المتضررين العالقين داخل المدينة ونقلهم إلى مراكز آمنة في مدن أخرى. قاد شباب وجمعيات محلية مبادرات تطوعية عبر مركباتهم الخاصة، بينما وفرت السلطات بعض الحافلات للإجلاء الطارئ. نوال الفيلالي، رئيسة جمعية محلية في طنجة، تروي أنهم أجلى أكثر من 2480 شخصًا إلى طنجة وأصيلة والعرائش والرباط ومكناس، مؤكدة أن كل رحلة كانت مليئة بالقصص المؤثرة.
تحديات المعيشة وتوفير المؤونة
توفير المؤونة وتلبية الاحتياجات الأساسية أمر بالغ الأهمية، خاصة مع انقطاع الكهرباء وصعوبة الوصول إلى الأسواق. نظم بعض التجار المحليين توزيع الخبز بطريقة عادلة، فيما أسهم المتطوعون والجمعيات في توزيع المواد الغذائية. تنظيم الطعام والماء أصبح جزءًا من الروتين اليومي الطارئ لكل متطوع، حيث كان الجميع يحرص على وصول المؤونة لكل الأسر دون تمييز.
صمود اجتماعي وقدرة على التكيف
لم يختبر الفيضان القصر الكبير من حيث البنية التحتية فقط، بل أيضًا من حيث قدرتها على الصمود الاجتماعي. غالبية السكان شاركوا في المساعدة والتبرعات وفتح البيوت ودعم المتطوعين. محمد بريطل يشهد أن غالبية ساكنة المدينة ساهمت بشكل أو بآخر في المساعدة والتعاون.
تواصل المدينة حالة التأهب القصوى، وتعمل السلطات على إخلاء المزيد من الأحياء، فيما المياه ما زالت تهدد بعض الشوارع المنخفضة، مع توقعات بتساقطات مهمة خلال الأيام المقبلة. هذه الأزمة، على الرغم من قسوتها، أظهرت قوة التضامن الإنساني وقدرة سكان القصر الكبير على مواجهة التحديات.















