واشنطن- أفرز تأكيد الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، مساء أمس السبت، مقتل آية الله علي خامنئي، المرشد الأعلى في إيران وأعلى سلطة سياسية ودينية فيها، تساؤلات في أوساط النخبة الأمريكية عن ماذا بعد. هذا الحدث الجلل، مقتل خامنئي، يثير مخاوف عميقة حول مستقبل إيران واستقرار المنطقة، ويضع واشنطن أمام تحديات استراتيجية معقدة. ولم يتم الإعلان عن أي خليفة علني للمرشد، ومع ورود أنباء استهداف معظم كبار قادة الحرس الثوري في هجمات أمس، فإن مسألة من يملأ الفراغ الذي سيتركه خامنئي، وإمكانية بقاء النظام ذاته، أصبحت أسئلة مطروحة، وبقوة داخل واشنطن.

ردود الفعل الأمريكية وتساؤلات حول مستقبل إيران

وقال ترمب -في تغريدة على منصته تروث سوشيال- إن “هذه هي الفرصة الكبرى للشعب الإيراني لكي يستعيد بلاده. وتردنا معلومات تفيد بأن العديد من عناصر الحرس الثوري، والجيش، وسائر الأجهزة الأمنية والشرطة، لم يعودوا يرغبون في القتال، وأنهم يسعون إلى الحصول على حصانة منا”. وجدد قوله “يمكنهم الآن الحصول على الحصانة، أما لاحقا، فلن يكون أمامهم سوى الموت. وإننا لنأمل في أن يندمج الحرس الثوري والشرطة سلميا مع الوطنيين الإيرانيين، وأن يعملوا معا كقوة واحدة تعيد البلاد إلى العظمة التي تستحقها”.

لكن هذه التصريحات أثارت حذر بعض المحللين الأمريكيين. في حديث للجزيرة نت، حذر السفير ديفيد ماك -نائب وزير الخارجية السابق لشؤون الشرق الأوسط، والخبير حاليا بالمجلس الأطلسي- من أن “الحديث حول مستقبل إيران يبدو مشابها جدا لمستوى العقلانية الذي أظهره جورج بوش في عام 2003 عندما أطلق الغزو الأمريكي للعراق. من المرجح أن ينتهي الأمر بنفس السوء”. وأضاف ماك أن “الرئيس ترمب والعديد من مستشاريه الكبار ليسوا على دراية جيدة بإيران. إنها دولة ذات تاريخ يمتد لآلاف السنين والقدرة على الدفاع عن نفسها ضد الأعداء منذ عهد الإسكندر الأكبر”.

دوافع ترمب وأهداف الإدارة الأمريكية

في قلب أهداف ترمب، يكمن سؤال حول ما الذي تسعى الإدارة الأمريكية لتحقيقه من خلال هذه الخطوة. البروفيسور أسامة خليل، أستاذ التاريخ والعلاقات الدولية بجامعة “سيراكيوز” في نيويورك، يرى أن “ترمب مصمم على قطع رأس النظام بالنظر إلى مثال فنزويلا (اعتقال الرئيس مادورو)، وإذا تولت قيادة مطيعة الحكم، فيبدو أن الولايات المتحدة ستتراجع. تغيير النظام -من حيث استبداله بنظام جديد بالكامل- يبدو أمرا لم تلتزم به الإدارة بعد”.

ويشير خليل إلى أن ترمب ونتنياهو قد يحاولان زرع الفوضى في إيران من خلال استراتيجية “قطع الرؤوس”، معتقدين أن قتل القيادات العليا سيجعل إيران غير قابلة للحكم، مما يخلق الظروف للإطاحة بالحكومة. ومع ذلك، لا يرجح خليل انهيار القوات الإيرانية، خاصة مع استمرار الضربات الجوية التي تتسبب في خسائر مدنية.

هل يمكن تحقيق أهداف ترمب؟

فريدريك هوف -السفير السابق والخبير حاليا بالمجلس الأطلسي والأستاذ بجامعة بارد- يرى أن ترمب يهدف إلى الدفاع عن الشعب الأمريكي من خلال القضاء على التهديدات الوشيكة من النظام الإيراني، معتقداً أن القضاء على النظام هو الطريقة الوحيدة الموثوقة لتحقيق ذلك.

البروفيسور ستيفن هايدمان، رئيس قسم دراسات الشرق الأوسط في جامعة “سميث”، يوضح أن ترمب لديه أهداف دنيا وقصوى. الأهداف الدنيا هي عكس آثار غزو العراق عام 2003، أي إنهاء البرنامج النووي الإيراني، ودفعها للتخلي عن “وكلائها الإقليميين”، وبرنامجها الصاروخي، والاعتراف بأنها لن تكون قوة إقليمية بعد الآن. أما الأهداف القصوى فهي استعادة مكانة إيران كقوة معتدلة متحالفة مع الغرب، مع دور قوي للولايات المتحدة في تشكيل نظام سياسي جديد.

مستقبل النظام الإيراني بعد مقتل خامنئي

السؤال الأهم يبقى: هل حسم أمر النظام الإيراني؟ ترمب وجه حديثه للشعب الإيراني، داعياً إياهم إلى استعادة حريتهم والسيطرة على حكومتهم، محذراً من أن الوضع خطير وأن القنابل ستتساقط. لكن البروفيسور خليل يعتقد أن الولايات المتحدة ستظل ملتزمة بتغيير النظام في إيران ودعم مشروع إسرائيل الكبرى، حتى لو لم تحسم هذه الجولة من الصراع بشكل كامل.

السفير هوف يرى أن جوهر النظام الإيراني ليس المرشد الأعلى، بل الحرس الثوري، الذي يمتلك قوة كبيرة وكان مستعداً لارتكاب مجازر للحفاظ على موقعه. ويضيف أن ترمب قد يسعى إلى ترتيب مشابه لترتيب فنزويلا مع عناصر الحرس الثوري الباقية.

الخبير هايدمان يشكك في قدرة ترمب على تحقيق أهدافه، مشيراً إلى أن إسقاط النظام سيكون ضرورياً لتحقيقها، لكنه ليس من الواضح أن الهجمات ستؤدي إلى انهيار النظام، حتى مع مقتل شخصيات رئيسية. ويستشهد بتجارب حماس وحزب الله، اللتين تعرضتا لهجمات أكثر تدميراً ولم يتم القضاء عليهما.

مقتل خامنئي يمثل نقطة تحول في العلاقات الأمريكية الإيرانية، ويفتح الباب أمام سيناريوهات متعددة. مستقبل إيران لا يزال غامضاً، لكن من الواضح أن واشنطن ستواصل الضغط على طهران لتحقيق أهدافها الاستراتيجية في المنطقة. الوضع يتطلب تحليلاً دقيقاً ومتابعة مستمرة لتطورات الأحداث، مع الأخذ في الاعتبار التاريخ المعقد للعلاقات بين البلدين والظروف الداخلية الإيرانية. الوضع في إيران يتسم بالهشاشة، و أي تصعيد إضافي قد يؤدي إلى عواقب وخيمة على المنطقة والعالم. التوتر الإيراني الأمريكي في أعلى مستوياته، و يتطلب جهوداً دبلوماسية مكثفة لتجنب حرب شاملة.

شاركها.
اترك تعليقاً