منذ انطلاقه مع بداية شهر رمضان 2026، تصدر مسلسل “كان ياما كان” قائمة الأكثر مشاهدة وتداولًا، ليضع بصمته كعمل درامي عائلي مميز. يمثل هذا العمل عودة الفنان ماجد الكدواني إلى الدراما الرمضانية من خلال أول بطولة له في هذا الموسم، إلى جانب الممثلة يسرا اللوزي و نخبة من الوجوه الشابة الواعدة. المسلسل، المكون من 15 حلقة، يغوص في أعماق قصة تبدو للوهلة الأولى بسيطة، لكنها تحمل في طياتها الكثير من التعقيدات الإنسانية، وتدور حول أزمة منتصف العمر، وتداعيات الطلاق على الأبناء.

قصة “كان ياما كان”: من عيد ميلاد إلى إعلان طلاق

تدور أحداث “كان ياما كان” حول الطبيب الناجح والمحبوب مصطفى (ماجد الكدواني) وزوجته داليا (يسرا اللوزي)، التي تشعر بأن حياتها قد توقفت عند حدود الزواج والأمومة. بعد خمسة عشر عامًا من الهدوء والاستقرار، تفاجئ داليا الجميع بإعلانها عن رغبتها في الطلاق خلال الاحتفال بعيد ميلادها الأربعين أمام العائلة والأصدقاء. تبرر داليا قرارها بأن حياتهما أصبحت رتيبة وخالية من الشغف، لتجد الزوج نفسه أمام واقع جديد ومفاجئ، ومضطرًا لتحمل تبعات قرار لم يكن يتوقعه.

منذ هذه اللحظة، تبدأ جروح العلاقة القديمة في الانكشاف، وتتراكم الوحدة والرغبة المؤجلة في التغيير، والإحساس بأن سنواتًا طويلة قد ضاعت في استقرار خالٍ من الحياة. ومع تطور الأحداث، تتحول الأزمة إلى معركة حضانة شرسة، تتداخل فيها القوانين مع المشاعر، وتزداد حدتها مع ظهور علاقات عاطفية جديدة يستخدمها الطرفان كورقة ضغط. وفي خضم هذا الصراع، تتحول الابنة فرح (ريتال عبد العزيز) تدريجيًا من مجرد شاهدة إلى ضحية مباشرة لخيارات الكبار.

نجاح مبكر وانقسام في الآراء حول مسلسل “كان ياما كان”

حقق المسلسل نجاحًا كبيرًا منذ عرضه الأول، حيث لفت انتباه الجمهور والنقاد على حد سواء. وقد ساهمت جرأة المسلسل في طرح قضية الطلاق، وتقديمه لشخصية رجل لا يخجل من إظهار ضعفه، في زيادة التوقعات حوله. بالإضافة إلى ذلك، سلط المسلسل الضوء على الأثر المدمر للانفصال على الأبناء في سن المراهقة.

على الرغم من حفاظه على نسب مشاهدة عالية وتصدره محركات البحث ومنصات التواصل الاجتماعي، إلا أن الجمهور انقسم حوله. فبينما رأى البعض أنه يلامس تجارب واقعية بشفافية، اعتبره آخرون، وخاصةً بعض النساء، أنه يبرئ الرجل بشكل نسبي، ويلقي بمسؤولية انهيار الأسرة على عاتق المرأة، مع تكرار الرسالة التقليدية بأن الطلاق هو خطأ المرأة والبحث عن الحب بعد الطلاق هو أنانية. هذا الانقسام يعكس مدى حساسية الموضوع الذي يتناوله المسلسل، وقدرته على إثارة النقاش.

فكرة قوية ولكن كتابة منحازة في “كان ياما كان”

لا شك في أن فكرة المسلسل قوية وجذابة، إلا أن الكتابة تعاني من خلل بنيوي واضح. فالسيناريو يبدو منحازًا بشكل كبير للزوج، حيث يتم تصويره على أنه الضحية الرئيسية، بينما تختزل شخصية الزوجة في ردود أفعال متسرعة تفتقر إلى الجذور الدرامية. بدلًا من منح الشخصيات مساحة كافية للكشف عن دوافعها وعمقها النفسي، يصر السرد على تثبيت موقع التعاطف مسبقًا، مما يجعل الصراع غير متكافئ منذ البداية.

هذا الانحياز يحول العمل من معالجة ناضجة لقضية حساسة إلى سردية أحادية تعاقب المرأة وتبرر الرجل. كما أن الكتابة تعتمد على مشاهد متكررة وحوارات تقريرية موجهة، بدلًا من بناء مواقف صادقة تنبع من تطور السلوك الطبيعي للشخصيات، مما يفقد العمل توازنه الدرامي ويقلل من تعقيد الصراع الذي كان يمكن أن يكون أحد أهم نقاط قوته.

الشخصيات النسائية في “كان ياما كان”: صورة مشوشة

أحد أكبر المشكلات الدرامية في المسلسل هو طريقة رسم الشخصيات النسائية. يقدمها العمل بصورة مشوشة تدفع المشاهد إلى النفور منها. فداليا تطرح منذ البداية بوصفها المذنبة، ولا تمنح أي لحظة إنصاف أو كشف تجعل قرارها مفهومًا. ورغم أنها لم تكن سوى امرأة تبحث عن البراح، يصر السرد على تصويرها أمًا مقصرة وامرأة متخبطة تتورط سريعًا في علاقة جديدة دون أن نراها تعيش لحظة وعي أو ندم حقيقي.

ويمتد هذا الخلل إلى النساء المحيطات بها: مها التي تستغل في لعبة انتقامية، ومايا التي تختزل في العشيقة الساذجة، ونورا المتهمة بالإهمال الذي يدفع زوجها للخيانة، ومي وسمر اللتان تقدمان نموذجين متطرفين بين قبول زواج فاشل ورفض قاطع لفكرة الزواج. حتى الجدة تظهر كصوت تقليدي يرسخ المعايير المزدوجة.

بهذه الصورة، يجد المشاهد نفسه أمام لوحة فنية تكرس المرأة باعتبارها مصدر الفوضى وسبب خراب البيوت أو كائنا عاطفيا مندفعا يحتاج إلى رجل عاقل لإعادة التوازن. ورغم أن العمل قد لا يتعمد تصدير هذه الصورة، إلا أنها تتشكل بوضوح داخل نسيجه الدرامي، لتصبح أحد أكثر العناصر إثارة للضيق والجدل.

الأداء التمثيلي: هل ينقذ الموقف؟

على الرغم من هذه المشكلات، ينجح ماجد الكدواني في تقديم أداء منضبط ومؤثر لشخصية الطبيب الهش داخليًا. يستخدم الكدواني لغة جسد دقيقة، من نظرات قلقة وتلعثم بسيط في لحظات التوتر، وانحناءة جسد خفيفة تشي بعبء داخلي، مما يجعل الشخصية قابلة للتفهم حتى في لحظات الانتقام غير الناضجة.

ومع ذلك، يلاحظ أن هذه الشخصية قريبة جدًا من شخصية “صلاح” التي جسدها الكدواني في فيلمه الأخير “فيها إيه يعني”، وهو ما يوحي بإعادة تدوير ملامح ناجحة بدلًا من خوض مغامرة جديدة بالكامل. بينما تقبل الجمهور هذا الأمر من الكدواني، لم يحظ الأمر نفسه بقبول تجاه يسرا اللوزي، حيث بدت شخصية داليا مجرد امتداد لأدوارها السابقة، لما بها من تشابه في تفاصيل المرأة المرهقة داخليًا.

في المقابل، لفتت ريتال عبد العزيز الأنظار بدور الابنة فرح، حيث قدمت أداء طبيعيًا وعفويًا يعكس مشاعر طفلة تنقلب حياتها فجأة. وجاءت حركاتها وتلعثمها وانفعالاتها في مشاهد الانهيار صادقة، مما جعلها تحظى باستحسان الجمهور والنقاد.

في الختام، يظل “كان ياما كان” عملًا كاشفًا، سواء تعاطفت مع مصطفى أو ضقت من تقديمه ضحية مثالية، وسواء رأيت داليا أنانية أو وجدت فيها انعكاسًا لذوات كثيرة تبحث عن حياة مؤجلة. المسلسل يأخذك إلى منطقة غير مريحة، ويفتح باب التساؤل حول قرارات تتخذ في لحظة ضغط لكنها تغير مصائر كاملة، مؤكدًا أن الخسارة الكبرى لا تقع على من قال الجملة أو من سمعها، بل على الصغار الذين ظنوا أن الحب ثابت لا يتغير. هذا العمل الدرامي الاجتماعي العائلي، من تأليف شيرين دياب وإخراج كريم العدل، وبطولة نخبة من الممثلين الموهوبين، يستحق المشاهدة والنقاش.

شاركها.
اترك تعليقاً