في ظل تزايد الاهتمام بقضايا الاستدامة والبيئة، وتزايد كميات هدر الخبز خلال شهر رمضان في العديد من الدول العربية، كشفت دراسة حديثة عن إمكانية تحويل هذا الهدر إلى مادة خام قيمة لإنتاج مواد صديقة للبيئة. وتأتي هذه الدراسة في وقت تشير فيه تقارير إلى أن كميات الخبز المهدرة تشكل نسبة كبيرة من إجمالي هدر الغذاء في المنطقة.

وتشير الدراسات إلى أن هدر الخبز يزداد بشكل ملحوظ خلال شهر رمضان، حيث تقوم الأسر بشراء كميات أكبر من المعتاد تحسبًا للاستعداد للإفطار والولائم، مما يؤدي إلى كميات كبيرة من الخبز غير المستهلك. وقد قدرت دراسة حديثة أجريت في مدينة قسنطينة الجزائرية نسبة هدر الخبز خلال رمضان بـ 12.67%، بينما تشير تقارير سعودية إلى أن الخبز والدقيق يمثلان حوالي 30% من إجمالي هدر الغذاء خلال نفس الفترة.

من أين جاءت فكرة تحويل هدر الخبز؟

لم يقتصر الأمر على مجرد تحديد حجم المشكلة، بل امتد البحث عن حلول مبتكرة للاستفادة من هدر الخبز. ففي حين أن بعض الدول العربية تستخدم الخبز المهدر كعلف للحيوانات، قدمت دراسة حديثة من جامعة إدنبره البريطانية حلاً أكثر جدوى من الناحية الاقتصادية والبيئية. تركز هذه الدراسة على استخدام الخبز المهدر لتغذية بكتيريا معينة، بهدف إنتاج مواد صديقة للبيئة.

وانطلقت هذه الفكرة من سياق عالمي أوسع يهدف إلى تقليل انبعاثات الغازات الدفيئة. يتطلب تحقيق هذا الهدف إيجاد بدائل مستدامة للعمليات الكيميائية التقليدية التي تساهم في إنتاج هذه الغازات. لذلك، تم استكشاف إمكانية استخدام هدر الخبز كغذاء لبكتيريا “إيكولاي” (Escherichia coli)، لمساعدتها على إنتاج الهيدروجين، وهو عنصر أساسي في العديد من الصناعات الصديقة للبيئة.

كيف تعمل “المصانع الحية”؟

تعتمد العملية الجديدة على قدرة بكتيريا “إيكولاي” على تفكيك السكر أثناء التخمر دون الحاجة إلى الأكسجين، مما يؤدي إلى إطلاق غاز الهيدروجين بشكل طبيعي. وقام الباحثون بإضافة محفز معدني (البلاديوم) إلى هذه العملية، حيث يلتصق المعدن بسطح الخلية البكتيرية ويلتقط الهيدروجين فور إنتاجه. يتم بعد ذلك استخدام هذا الهيدروجين في تفاعلات كيميائية لإنتاج مواد صناعية مفيدة.

وتتميز هذه الطريقة بأنها تتم في درجات حرارة قريبة من حرارة الغرفة، داخل نظام بيولوجي حي، وليس في مصنع تقليدي ضخم. وقد أظهرت التجارب كفاءة عالية في التفاعل، تصل إلى حوالي 99%. تمكن الباحثون من استخدام هذه العملية لإنتاج حمض الأديبيك (Adipic acid)، الذي يستخدم في صناعة النايلون، وحمض البهينيك (Behenic acid)، الذي يدخل في صناعة مستحضرات التجميل ومنتجات العناية بالشعر، بالإضافة إلى كيتون التوت (Raspberry ketone)، وهو مركب يستخدم في صناعة النكهات والعطور.

التحديات والآفاق المستقبلية لتقليل هدر الخبز

على الرغم من الإمكانات الواعدة لهذه التقنية، لا تزال هناك بعض التحديات التي يجب معالجتها قبل تطبيقها على نطاق واسع. تشمل هذه التحديات تحسين كفاءة العملية، وخفض التكاليف، وتطوير طرق فعالة لجمع ومعالجة هدر الخبز من مصادر مختلفة. بالإضافة إلى ذلك، يجب إجراء دراسات لتقييم الأثر البيئي والاقتصادي لهذه التقنية بشكل كامل.

ومع ذلك، فإن هذه الدراسة تمثل خطوة مهمة نحو إيجاد حلول مبتكرة لمشكلة هدر الغذاء، وتحويل النفايات إلى موارد قيمة. ومن المتوقع أن تشهد السنوات القادمة المزيد من الأبحاث والتطوير في هذا المجال، بهدف تحسين هذه التقنية وتوسيع نطاق تطبيقاتها. ومن المقرر أن تنشر جامعة إدنبره تقريرًا مفصلاً عن نتائج الدراسة في الربع الأخير من عام 2026، والذي سيتضمن توصيات حول كيفية تطبيق هذه التقنية على نطاق تجاري. وستراقب الجهات المعنية عن كثب التطورات في هذا المجال، وتقييم إمكانية تبني هذه التقنية كجزء من استراتيجيات الاستدامة الوطنية.

بالإضافة إلى ذلك، فإن زيادة الوعي بأهمية تقليل هدر الغذاء بشكل عام، وتشجيع الأسر والمؤسسات على تخطيط مشترياتها بشكل أفضل، يمكن أن يلعب دورًا هامًا في الحد من هذه المشكلة. كما أن دعم المبادرات التي تهدف إلى إعادة تدوير المواد الغذائية المهدرة، وتطوير تقنيات جديدة للاستفادة منها، يمكن أن يساهم في بناء مستقبل أكثر استدامة.

شاركها.
اترك تعليقاً