حوكمة الفيفا تحت المجهر

تتصاعد الدعوات الأوروبية لإعادة النظر في قيادة الاتحاد الدولي لكرة القدم بعد اجتماعات عقدت في سالزبورغ على هامش كأس السوبر الأوروبي، حيث ناقش قادة يويفا ورابطة الأندية الأوروبية ومستجدات علاقة الاتحاد التجاري بالتنظيمي. وتسلط هذه التطورات الضوء على قضية حوكمة الفيفا كمسألة مركزية تتجاوز مصير جياني إنفانتينو وحده.

ما جرى في سالزبورغ ومطالب القادة

أفادت مصادر إعلامية أن لقاءات جمعت ألكسندر تشيفيرين ورئيس رابطة الأندية ناصر الخليفي بحضور باتريس موتسيبي لمناقشة أداء الفيفا وإمكانية محاسبة الرئيس الحالي جياني إنفانتينو على ملفات تمويلية وإدارية، بينها مشروع “فيفا فوروارد إنتربرايز”. بالإضافة إلى ذلك، طرح الحاضرون أفكاراً لإصلاح منصب رئيس الفيفا وإعادة توزيع الصلاحيات.

في المقابل، أكد الفيفا أن إنفانتينو ما زال يحظى بدعم الاتحادات الأعضاء البالغ عددها 211 اتحاداً، ملمحاً إلى أن أي تغيير يجب أن يتم عبر الآليات الديمقراطية المعتمدة داخل المنظمة. ومع ذلك، تشير الاجتماعات إلى رغبة واضحة في إعادة تصميم مؤسسي أوسع من استبدال شخص واحد.

لماذا تفشل الحوكمة الحالية؟

تظهر تحليلات أكاديمية وتقارير صحفية أن جذور الأزمة ليست سلوكية فقط، بل مؤسساتية. يتمثل أحد العوائق في تركّز السلطة داخل مؤسسات الفيفا، حيث يجمع مجلس الإدارة صلاحيات واسعة تشمل الميزانية وبيع الحقوق وتعيين اللجان. لذلك يصبح من السهل أن يتحول القرار الإداري إلى أداة لتوزيع النفوذ، بدلاً من أن يكون خاضعاً لآليات رقابية فعالة.

علاوة على ذلك، تشير تقارير إلى ضعف استقلال أجهزة الرقابة، إذ بقيت لجان الأخلاقيات والتدقيق عرضة للانحناء أمام الضغوط السياسية داخل المؤسسة. وبسبب نظام صوت واحد لكل اتحاد، تنشأ ديناميكية سياسية تشجّع على بناء تحالفات عبر تقديم مزايا مالية ومشروعات لعدد كبير من الاتحادات.

خيارات لإصلاح منصب رئيس الفيفا والهيكل الإداري

تتراوح المقترحات بين اعتماد رئاسة دورية للاتحاد، وإلغاء منصب الرئيس بصيغته الحالية واستبداله بمنصب رئيس مجلس إدارة، إلى إنشاء نظام نواب متعددين للحد من تركّز السلطة. كما يُبحث فصل الجانب التجاري عن الجانب التنظيمي عبر هيكلة شركة مستقلة للأنشطة التجارية مع إبقاء وظيفة التنظيم تحت مظلة غير ربحية ومخضعاً لرقابة قوية.

من جانبه، دعا ميغيل مادورو، الرئيس السابق للجنة الحوكمة والمراجعة في الفيفا، إلى فصل واضح بين المهام التنظيمية والأنشطة التجارية، ولبناء رقابة حقيقية تحمي استقلالية لجان التدقيق والأخلاقيات. ويعتبر مادورو أن التركيز فقط على رحيل إنفانتينو لن يحقق تغييرا جوهريا ما لم يتبدل نموذج الحوكمة.

آثار الفساد البنيوي على اللعبة

بحسب تحليلات نشرت في مجلات قانونية دولية، استُخدمت الإعانات والهبات لبناء تحالفات سياسية داخل الفيفا، ما أثر على نزاهة قرارات استضافة البطولات وتوزيع الموارد التنموية. وفي هذا السياق، تبرز مخاطر متعددة: تآكل ثقة الجماهير، تهميش مصالح اللاعبين والأندية، وتحول هدف التنظيم من حماية اللعبة إلى تعظيم الإيرادات التجارية.

من ناحية أخرى، تؤكد المصادر أن تنفيذ إصلاحات فعالة يتطلب إشراك أصحاب المصلحة الحقيقيين مثل اللاعبين والمشجعين والأندية والمجتمع المدني في عملية صنع القرار، بدلاً من الاقتصار على الاتحادات الوطنية فقط.

المسار المستقبلي والجدول المتوقع

تشير المعلومات المتاحة إلى أن المناقشات ستستمر خلال الأشهر المقبلة بين الاتحادات الإقليمية والقيادات الأوروبية، مع احتمال طرح مقترحات تفصيلية في الاجتماعات المقبلة لمجالس الاتحادات. ولذلك، يبقى الاهتمام منصباً على ما ستقرر مؤتمرات الفيفا المقبلة بشأن دستور التنظيم وآليات التعيين والرقابة.

في النهاية، ستعتمد إمكانية تحقيق تغيير حقيقي على رغبة غالبية الاتحادات في تعديل الأطر المؤسسية، وعلى نجاح مبادرات فصل الأعمال التجارية عن الوظائف التنظيمية، وهو ما سيحدد شكل الحوكمة المستقبلية والحد من مخاطر الفساد في كرة القدم العالمية.

شاركها.
اترك تعليقاً