عمّان — تفتح زيارة الملك عبد الله الثاني إلى الصين آفاقا جديدة لتطوير العلاقات الاقتصادية بين الأردن والصين، بعد أربعين عاما من التعاون وتأسيس شراكة استراتيجية أعلِن عنها في 2015. تأتي الزيارة في ظل سعي أردني لتنويع الأسواق وتعزيز الاستثمارات والتبادل التجاري بعيداً عن الاعتماد المفرط على سوق واحد.
خلال اللقاءات الرسمية توقّع مسؤولون ومحللون أن تترجم الزيارة إلى صفقات ومشروعات صناعية وطاقة وسياحة وتكنولوجيا، معترفين في الوقت نفسه بأن الفجوة الحالية في الميزان التجاري تحتاج إلى معالجة منهجية عبر سياسات تصديرية واستراتيجية استثمارية واضحة.
العلاقات الاقتصادية بين الأردن والصين تتقدّم لكنها تواجه خللاً تجاريا
تكشف أرقام رسمية أن التبادل التجاري بين البلدين شهد نموا ملحوظا، إذ بلغ إجمالي التجارة نحو 6.7 مليارات دولار خلال 2025، بحسب دائرة الإحصاءات العامة. في المقابل تميل ميزان التجارة لصالح الصين حيث بلغت الصادرات الصينية إلى الأردن نحو 6.29 مليارات دولار مقابل نحو 430 مليون دولار من الصادرات الأردنية، ليصل عجز الميزان إلى نحو 5.86 مليارات دولار.
تركز الواردات الأردنية من الصين على الآلات والأجهزة الكهربائية والهواتف الذكية ومعدات النقل والمواد النسيجية والمعادن، بينما تقتصر الصادرات الأردنية على مواد خام مثل الفوسفات والبوتاس والأسمدة والمنتجات المعدنية، مما يعكس حاجة الأردن إلى رفع القيمة المضافة لمنتجاته قبل التصدير.
الاستثمارات الصينية في الأردن: تركيز على الطاقة والحاجة للتنويع
تلعب الاستثمارات دورا محوريا في العلاقة، وبيانات منتدى الاستراتيجيات الأردني تشير إلى أن الاستثمارات الصينية المباشرة المتراكمة بين 2010 و2025 بلغت نحو 3.56 مليارات دولار موزعة على نحو 71 مشروعا. اللافت أن نحو 89% من هذه الاستثمارات ذهبت إلى قطاع الطاقة بقيمة تقارب 3.17 مليارات دولار.
في المقابل بقيت قطاعات مثل تكنولوجيا المعلومات والخدمات المالية والصناعات التحويلية محدودة في حجمها، وهو ما دفع محللين إلى التأكيد على ضرورة توجيه مزيد من الاستثمارات إلى الصناعة والتكنولوجيا والخدمات اللوجستية لخلق وظائف ورفع القيمة المضافة داخل المملكة.
تنويع الأسواق واستراتيجية أردنية متعددة الشركاء
تعكس زيارة الملك رغبة عمّان في تنويع شركائها الاقتصاديين وعدم الاقتصار على سوق واحدة. مصادر أردنية قالت للصحافة إن الهدف ليس استبدال شريك بآخر، بل توسيع الخيارات لتقليل مخاطر الاعتماد على السوق الأمريكية في ظل تقلبات إقليمية ودولية.
بالتوازي أحرز الأردن تقدما في تعميق وجوده في السوق الأوروبية التي تعتبر ثالث أكبر شريك تجاري للمملكة، وتستند العلاقة مع أوروبا إلى حزمة تمويلية تبلغ نحو 3.04 مليارات يورو للفترة 2025-2027، بحسب بيانات رسمية. لذلك يعتمد صانعو القرار الأردنيون على استراتيجيات مزدوجة لتعزيز الصادرات وجذب استثمارات مُخصَّصة للتصدير.
الفرص في السياحة والطيران والتعاون الثقافي
يساعد التعزيز المحتمل للروابط الجوية والترويج السياحي على زيادة عدد الزوار الصينيين، إذ ارتفع عدد السياح الصينيين القادمين إلى الأردن في النصف الأول من 2026 إلى نحو 10 آلاف و967 سائحا مقابل 8 آلاف و883 في الفترة نفسها من العام السابق، بحسب بيانات رسمية متاحة. لذلك تُعد السياحة سوقا قابلة للنمو إذا رُفِعت الروابط الجوية وزادت الحملات الترويجية.
التحديات السياسية والاقتصادية وإجراءات مقترحة
يواجه تعميق العلاقات الاقتصادية تحديات عدة منها تفاوت القدرات التصديرية الأردنية، والاعتماد الكبير على قطاعي الطاقة والمعادن في الصادرات، وانحياز الميزان التجاري لصالح الواردات. لذلك يقترح اقتصاديون سياسات لتحفيز التصنيع المحلي، نقل التكنولوجيا، وسلاسل توريد مشتركة مع شركات صينية تُنتج داخل الأردن للتصدير إلى أسواق ثالثة.
أشار أستاذ الاقتصاد رعد التل إلى أن المطلوب ليس مجرد زيادات في حجم الاستثمارات الصينية بل توجيهها نحو مشاريع تحويلية تُمكّن من تحويل القدرات الطبيعية والبشرية الأردنية إلى منتج قابل للتنافس، فيما رأى باحثون آخرون أن استغلال الاتفاقيات التجارية ومناطق التصنيع الحرة يشكل ورقة مهمة لجذب استثمارات تصنيعية.
ماذا ينتظر المتابعين بعد زيارة الملك؟
من المتوقع أن تُترجم الزيارة إلى اتفاقيات تنفيذية ومذكرات تفاهم خلال الأسابيع والأشهر المقبلة، مع بدء متابعة آليات تنفيذ المشاريع المتفق عليها بين الجهات الأردنية والصينية. سيقيس المراقبون نجاح الزيارة من خلال حجم الاستثمارات الصناعية الجديدة، تحسّن صادرات المملكة إلى الصين، وتوسيع قطاعات التكنولوجيا والسياحة.
في الختام، تظل العلاقات الاقتصادية بين الأردن والصين فرصة مهمة للأردن لتنويع اقتصاده وتعزيز دوره الإقليمي، لكن نتيجة هذه الفرصة تعتمد على سياسات عملية لصياغة شراكات إنتاجية وتحويل الاستثمارات إلى صادرات وقيمة مضافة تبقى داخل الاقتصاد المحلي.














