في خضمّ الاستعدادات للاحتفال بالذكرى الـ250 لتأسيس الولايات المتحدة الأمريكية، تجد مؤسسة سميثسونيان، تلك المؤسسة الثقافية العريقة، نفسها في قلب عاصفة سياسية وأيديولوجية. الضغوط المتزايدة من إدارة الرئيس دونالد ترامب، والتي تهدف إلى إعادة صياغة الرواية التاريخية للبلاد، دفعت المؤسسة إلى تقديم وثائق مفصلة حول محتويات عروضها القادمة، في محاولة لتلبية المطالب المتزايدة بتقديم صورة “متفائلة” للتاريخ الأمريكي. هذه القضية تثير تساؤلات مهمة حول استقلالية المؤسسات الثقافية ودورها في الحفاظ على التاريخ الأمريكي وتقديمه بأمانة وشفافية.

ضغوط على سميثسونيان: صراع حول سردية التاريخ

لطالما كانت مؤسسة سميثسونيان، التي تضم 21 متحفًا وحديقة حيوان، رمزًا للثقافة الأمريكية ووجهة سياحية رئيسية في واشنطن. ومع اقتراب الذكرى الـ250 لتأسيس البلاد، مارست إدارة ترامب ضغوطًا كبيرة على المؤسسة، مطالبةً إياها بالتراجع عن ما وصفته بـ “السرديات الانقسامية” وتقديم رواية أكثر إيجابية للتاريخ والثقافة الأمريكية.

هذه المطالب لم تكن مجرد توصيات، بل اقترنت بتهديد واضح بحجب التمويل الفيدرالي، وهو مصدر رئيسي لدعم المؤسسة. وقد أبلغ سكرتير المؤسسة، لوني بونش، الموظفين عبر البريد الإلكتروني بأنه تم إرسال المزيد من المعلومات إلى البيت الأبيض استجابةً لهذا الطلب، مؤكدًا على استمرار المؤسسة في تقديم “المواد ذات الصلة والمناسبة”.

دوافع الإدارة الأمريكية وراء الضغوط

تتمحور نية إدارة ترامب حول ضمان تقديم عرض إيجابي للتاريخ الأمريكي، يتجنب التركيز على الجوانب المظلمة أو “الفصول المخزية” من الماضي. وقد عبر مدير ميزانية البيت الأبيض ومدير السياسة المحلية عن رغبتهما في التأكد من أن الولايات المتحدة تُصوَّر كإحدى “أعظم قوى الخير في تاريخ العالم”، وأن المتاحف لن تتردد في نقل “رؤية إيجابية” للتاريخ الأمريكي.

هذه الضغوط تأتي في سياق أوسع لرفض الإدارة الأمريكية لما تعتبره محاولات لإعادة كتابة التاريخ الأمريكي من خلال استبدال “الحقائق الموضوعية” بـ “رواية مشوهة تقودها الأيديولوجيا”. وقد كلف ترامب نائب الرئيس، مايك بينس، بالإشراف على جهود “إزالة الأيديولوجيا غير اللائقة” من مختلف قطاعات المؤسسة.

تأثير الضغوط على محتوى المعارض

الجدل الدائر حول التاريخ الأمريكي لا يقتصر على الخطابات الرسمية والتهديدات المالية، بل يمتد ليشمل محتوى المعارض نفسها. فقد أمر ترامب بإجراء مراجعة رسمية لجميع معروضات سميثسونيان، وأقال مسؤولين كبارًا في الأرشيف الوطني، بما في ذلك مديرة معرض الصور الوطني، كيم ساجيت.

وقد أُزيلت بالفعل إشارات إلى محاكمتي عزل ترامب من عرض صورته الشخصية في معرض الصور الوطني، على الرغم من أن النص الأصلي ظل متاحًا على الإنترنت. هذه الإجراءات تثير مخاوف بشأن تدخل الإدارة في الشؤون الداخلية للمؤسسة واستعدادها للتلاعب بالحقائق التاريخية لتناسب أجندتها السياسية.

ردود فعل الخبراء والمختصين

يثير احتمال “تلميع” السجل التاريخي لإرضاء الرئيس قلق العديد من المؤرخين والباحثين. ويؤكد ماثيو ديلمونت، أستاذ التاريخ في كلية دارتموث، أن التاريخ يجب أن يتمحور حول الأدلة والتعقيد والفوارق الدقيقة، وليس حول صياغة رواية واحدة تهدف إلى إسعاد الجميع.

من جهته، يرى جيم مكسويني، وهو متقاعد من الأرشيف الوطني، أن هذه محاولة لتبييض التاريخ وتغيير الحقائق استنادًا إلى الميول السياسية، وهو أمر غير مقبول. ويشدد على أن التاريخ هو تجربتنا المشتركة، ويجب أن نتعلم منه، ولا نحاول تغييره أو إخفاء جوانبه المظلمة.

مستقبل المؤسسات الثقافية في ظل الاستقطاب السياسي

تُعد قضية سميثسونيان بمثابة جرس إنذار للمؤسسات الثقافية في جميع أنحاء العالم. فهي تظهر مدى هشاشة استقلاليتها في مواجهة الضغوط السياسية والأيديولوجية، وأهمية الحفاظ على نزاهتها وشفافيتها في تقديم التاريخ والثقافة.

إن التدخل في الشؤون الداخلية للمؤسسات الثقافية ومحاولة فرض رؤية تاريخية معينة يمكن أن يؤدي إلى تآكل الثقة العامة في هذه المؤسسات وتقويض دورها الحيوي في الحفاظ على الذاكرة الجماعية وتعزيز الحوار والتفاهم.

بالإضافة إلى ذلك، فإن هذه القضية تسلط الضوء على أهمية التمويل المستدام للمتاحف والمؤسسات الثقافية، لضمان عدم تعرضها للابتزاز السياسي أو الاعتماد المفرط على مصادر تمويل غير مستقرة.

في الختام، يمثل الصراع الدائر حول سميثسونيان معركة أيديولوجية أوسع حول كيفية فهم التاريخ الأمريكي وتفسيره. ومن الضروري أن تظل المؤسسات الثقافية حرة ومستقلة في أداء مهمتها الأساسية، وهي تقديم روايات تاريخية دقيقة ومتوازنة تعكس تعقيدات الماضي وتساهم في بناء مستقبل أفضل. ندعوكم لمشاركة هذا المقال مع المهتمين بقضايا التاريخ والثقافة، والتعبير عن آرائكم حول هذا الموضوع الهام.

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version