لعبة فيديو تروي حكايات النكبة: “أحلام على وسادة” مشروع فلسطيني طموح

هل يمكن لفن الفيديو أن ينقل لنا ثقل التاريخ وألَمه؟ هذا هو التحدي الذي وضعه أمام نفسه فريق تطوير فلسطيني، واستجابوا له بلعبة مغامرات وتسلل فريدة من نوعها، تعتمد على أسلوب شبه ثلاثي الأبعاد، تحت اسم “أحلام على وسادة”. هذه اللعبة ليست مجرد ترفيه، بل هي محاولة جريئة لتوثيق وإعادة سرد قصة النكبة الفلسطينية، تلك “الكارثة” التي حلّت بالشعب الفلسطيني عام 1948، والتي تمثلت في التطهير العرقي وتهجير ما يقرب من 750 ألف فلسطيني من ديارهم، ليحل محلهم الاحتلال الإسرائيلي. اللعبة التي من المقرر إطلاقها رسميًا في عام 2026، تثير بالفعل الكثير من التساؤلات والاهتمام.

رسالة اللعبة: أكثر من مجرد سرد تاريخي

وراء هذه اللعبة الطموحة يقف المطور الفلسطيني رشيد أبو عيده، المقيم في نابلس بالضفة الغربية المحتلة. أبو عيده، المخرج والمصمم الرئيسي للعبة، يطمح لتقديم “تحفة فنية” كما وصفها لموقع الجزيرة، مستندًا إلى خبرته السابقة في تطوير لعبة “ليلى وظلال الحرب” التي حظيت بتقدير واسع.

يهدف أبو عيده من خلال “أحلام على وسادة” إلى نقل المعاناة والألم اللذين عاشهما الفلسطينيون خلال التهجير القسري، وإبراز أن العدوان الحالي على غزة ليس حدثًا معزولًا، بل هو جزء من سلسلة طويلة من الأحداث التاريخية والقرارات السياسية. يريد أن يترك هذا العمل أثرًا عميقًا في نفوس اللاعبين، وأن يعيد إحياء ذاكرة هذه المرحلة المؤلمة من تاريخ فلسطين. واجه أبو عيده صعوبات جمة في الحصول على تمويل تقليدي للمشروع، نظرًا لحساسية موضوعه، مما دفعه إلى اللجوء إلى التمويل الجماعي عبر منصة “لانشغود” LaunchGood المتخصصة في دعم المشاريع المجتمعية في العالم الإسلامي.

تحديات التمويل والرقابة: صوت فلسطين في عالم يهمشها

نجح مشروع “أحلام على وسادة” في جمع أكثر من 240 ألف دولار أمريكي عبر “لانشغود”، وهو مبلغ كافٍ لبدء عملية التطوير وتغطية تكاليف السنة الأولى، بما في ذلك الرواتب وتكاليف الإنتاج الفني. لكن، الحصول على التمويل لم يكن التحدي الوحيد. يشير أبو عيده إلى أن العديد من منصات التمويل الجماعي التقليدية رفضت التعاون معه.

هذا التجاهي يعكس واقعًا مريرًا تتعرض له المحتويات المتعلقة بفلسطين، حيث تخضع لرقابة مشددة، وفي بعض الأحيان لحظر صريح. ففي مايو 2023، حُذف مقطع فيديو أعده مسؤولون فلسطينيون من يوتيوب، بينما قامت منصات مثل إنستغرام وفيسبوك بتقييد نشر المحتوى المؤيد لفلسطين. حتى نتفليكس أثارت الجدل بإزالة حوالي 32 فيلمًا يتناول القضية الفلسطينية. توضح هذه الأمثلة مدى صعوبة إيصال صوت فلسطين إلى العالم.

قصة “أم” ورمزية الوسادة: رحلة في الذاكرة والألم

تدور أحداث اللعبة حول قصة “أم”، وهي امرأة فلسطينية شابة فرت من مجزرة الطنطورية عام 1948. القصة مستوحاة من التراث الشعبي الفلسطيني، وتتبع رحلة هذه الأم عبر القرى والمخيمات الفلسطينية نحو لبنان، حيث تشهد العديد من الأحداث المأساوية التي عكست واقع التشريد والمعاناة.

اللحظة المفصلية في القصة هي عندما تسارع الأم إلى بيتها لإنقاذ طفلها الرضيع، فتجد نفسها مضطرة للهرب حاملهً وسادة ظنت أنها طفلها. بعد أن تبتعد، تكتشف الحقيقة المروعة. هذه الحادثة الأليمة ترمز إلى الخسارة والفقدان الذي عانى منه الفلسطينيون خلال النكبة الفلسطينية.

يوضح أبو عيده في جلسة حوارية على موقع “ريديت” أن اختيار شخصية الأم يجسد حجم الكارثة وآثارها النفسية المدمرة، وأن اللعبة تسعى إلى إظهار الجانب الإنساني والعاطفي الذي غالبًا ما يتم تجاهله عند الحديث عن هذه الأحداث التاريخية.

استلهام الماضي وبناء المستقبل: لعبة “ليلى وظلال الحرب” كنموذج

ليست هذه هي المرة الأولى التي يتناول فيها أبو عيده قضايا فلسطينية في ألعابه. في عام 2016، أطلق لعبة “ليلى وظلال الحرب” التي استلهمت أحداث العدوان الإسرائيلي على غزة عام 2014. حققت اللعبة نجاحًا ملحوظًا وحصدت العديد من الجوائز، بما في ذلك جائزة التميز في السرد القصصي.

تتميز “أحلام على وسادة” عن سابقتها بآليات لعب مختلفة وطابع نفسي أعمق. يتحكم اللاعب بشخصية الأم وهي تحمل الوسادة، مما يقيد حركتها وقدرتها على التفاعل مع البيئة، لكنه يمنحها شعورًا زائفًا بالأمان. اللعبة تسلط الضوء على الآثار النفسية العميقة للنكبة من خلال السرد والتصميم التفاعلي، حيث تتأرجح الأم بين الواقع المؤلم والكوابيس التي تعود بها إلى ماضيها.

النكبة: جذور الصراع وتأثيرها المستمر

تذكرنا “أحلام على وسادة” بأهمية فهم جذور الصراع الفلسطيني الإسرائيلي. ففي 14 مايو 1948، أعلن القادة الصهاينة عن قيام دولة إسرائيل، مما أشعل فتيل أولى الحروب العربية الإسرائيلية. أسفرت هذه الحرب عن سيطرة القوات الصهيونية على 78% من أرض فلسطين التاريخية، وتهجير ما يقرب من 750 ألف فلسطيني.

واليوم، وبعد أكثر من سبعة عقود، لا يزال الشعب الفلسطيني يعاني من الاحتلال والعنف والتهجير. تؤكد هذه اللعبة ضرورة تذكر تاريخ النكبة، ليس فقط كحدث تاريخي، بل كجزء أساسي من فهم الواقع الفلسطيني المعاصر.

“أحلام على وسادة” ليست مجرد لعبة، بل هي صرخة مدوية تحمل في طياتها قصة شعب يرفض أن ينسى، ويسعى إلى استعادة حقه في الذاكرة والوجود. نتطلع إلى إصدارها في عام 2026، ونأمل أن تساهم في إثارة النقاش والحوار حول هذه القضية العادلة.

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version