في السادس من أبريل عام 2026، كشفت التصاميم عن مشروع مثير للجدل، ما يُفترض أنه “مكتبة رئاسية” للرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب في ميامي. لكن ما ظهر يتجاوز بكثير مفهوم المكتبة التقليدية، ليثير تساؤلات حول العلاقة بين السلطة، والثروة، والإرث. المشروع، الذي يتجسد في برج ذهبي ضخم بقبضة مرفوعة تواجه خليج بيسكين، يمثل تحولاً جذرياً في مفهوم المكتبات الرئاسية الأمريكية، ويضع علامة استفهام كبيرة حول مستقبل حفظ التراث الرئاسي. هذا المقال يتناول تفاصيل هذا المشروع المثير للجدل، وتحليلاً نقديًا لأبعاده السياسية والثقافية والاقتصادية، مع التركيز على مكتبة ترامب الرئاسية كعنوان رئيسي.
تصميم يتجاوز المألوف: بين الفخامة والتجارة
التصميمات التي نشرها إريك ترامب الأسبوع الماضي أظهرت برجًا زجاجيًا من خمسين طابقًا، يتنافس في ارتفاعه مع أفق شيكاغو. لكن اللافت للنظر هو غياب العناصر الأساسية التي تميز المكتبة التقليدية: لا كتب، ولا وثائق، ولا أجهزة حاسوب، ولا قاعة بحث. وبدلاً من ذلك، يبرز تمثال ذهبي للرئيس ترامب بقبضة مرفوعة، وأحرف “TRUMP” العملاقة، مما يوحي بأن المشروع أقرب إلى فندق فاخر أو مجمع تجاري أكثر منه إلى مؤسسة ثقافية.
الرئيس ترامب نفسه أكد هذا التوجه، مشيرًا إلى أن المبنى سيضم “على الأرجح” فندقًا وربما مكاتب، في اعتراف صريح بالطبيعة التجارية للمشروع. هذا التحول يثير قلق العديد من المراقبين، الذين يرون فيه محاولة لدمج الرئاسة مع الإمبراطورية التجارية لعائلة ترامب، ومحو آخر خط فاصل بين السلطة العامة والمصالح الخاصة.
المنافسة مع أوباما والرمزية المالية
ثمة أسباب متعددة وراء ضخامة البرج. أحدها هو المنافسة المباشرة مع مركز باراك أوباما الرئاسي الذي افتتح مؤخرًا في شيكاغو. لكن الكاتب هنري غرابار يرى أن السبب أعمق من ذلك، واصفًا البرج بأنه “ضريح لشرط المكاسب المالية ولتقليد عدم التربح من الرئاسة، ضريح واسع بما يكفي ليحتوي عشرات الطوابق القابلة للتأجير”.
بالإضافة إلى ذلك، يمثل المشروع نموذجًا مثاليًا لتبرير ثمن الأرض المرتفع في ميامي. قصة الأرض نفسها تستحق التوقف: كلية “ميامي ديد” نقلت قطعة أرض رئيسية إلى ولاية فلوريدا بقيمة تتجاوز مئة مليون دولار، مقابل 10 دولارات فقط. ثم مررت الولاية الأرض إلى مؤسسة المكتبة الرئاسية بنفس السعر الرمزي. هذه الصفقة المثيرة للجدل تثير تساؤلات حول الشفافية والمساءلة في تخصيص الأراضي العامة.
تناقضات معمارية وتفاصيل مثيرة للسخرية
من الناحية المعمارية، يلاحظ تناقض طريف. التصميم يتخلى عن الكلاسيكية الجديدة التي فرضتها أوامر ترامب التنفيذية على العمارة الفدرالية، ويعود إلى ناطحات السحاب الزجاجية الحداثية التي عرفها ترامب المطور العقاري قبل دخوله السياسة.
المكتب المعماري المكلف بالمشروع، “بيرميلو أجاميل آند بارتنرز”، متخصص بالفنادق في ميامي، وهو اختيار متواضع لمبنى بهذا الحجم. القمة المضلعة والجوانب تستحضر مركز التجارة العالمي الواحد في مانهاتن، لكن بزجاج قاتم يوحي بـ “مهاجر نيويوركي يضع نظارة شمسية”، كما يصفها غرابار.
الأكثر إثارة للسخرية هو طريقة تقديم المشروع. الفيديو الترويجي الذي نشره إريك ترامب يحمل كل سمات المحتوى المولد بذكاء اصطناعي رخيص، بما في ذلك “الشعور بأنه لا يستحق انتباهك أكثر من ست ثوانٍ”. التصاميم أخطأت في إملاء كلمتي “Presidential” و”Library” بالإنجليزية، وعرضت البرج جاثمًا فوق قاعدة ضخمة تتسع لطائرة بوينغ 747 كاملة.
أين اختفت الوظيفة الأساسية للمكتبة؟
الوظيفة الأساسية لأي مكتبة رئاسية أمريكية هي حفظ الوثائق وإتاحتها للمواطنين والباحثين والأجيال القادمة. في مشروع ميامي، تبدو هذه الوظيفة فكرة طرأت لاحقًا، إن طرأت أصلاً. بدلاً من أرشيفات أو معروضات، يقدم التصميم الأحرف العملاقة والتمثال الذهبي.
أقرب ما في التصميم إلى قطعة تاريخية هو سلم كهربائي ذهبي ينزل إلى البهو، نسخة من السلم الذي أعلن عليه ترامب ترشحه عام 2015. الموقع الإلكتروني للمكتبة يضم ثلاثة أزرار فقط: “اتصل بنا” و”تبرع” وزر ثالث لتبرعات تفوق 10 آلاف دولار. قائمة الأسئلة الشائعة تضم سبعة أسئلة، جميعها عن التبرعات. لا سؤال واحد عن كتاب أو وثيقة أو معرض.
هذا الغياب للكتب يذكرنا بقرار الرئيس الأمريكي السابق إقالة كارلا هايدن من منصبها كأمينة مكتبة الكونغرس، وهو قرار أثار جدلاً واسعًا نظرًا لما تمثله هايدن من رمزية تاريخية.
صفقة لا تخسر: إرث ترامب في فلوريدا
يختتم غرابار تحليله بقراءة سياسية. مشروع المكتبة سينقل جزءًا من هيبة الرئاسة إلى فلوريدا حين يغادر ترامب منصبه. “سيظل المبنى فندقًا ومكاتب تديرها عائلة ترامب، موّله مانحو الرئيس، على أرض بواجهة بحرية اشتراها نجله بنحو 10 دولارات”.
المعادلة بسيطة: إن نجح المشروع سياسيًا فهو امتداد للرئاسة، وإن أخفق فهو صفقة عقارية من الطراز الأول. الخسارة مستحيلة في الحالتين. وربما هذا هو الدرس الوحيد الذي تحفظه هذه المكتبة الرئاسية التي بلا كتب. هذا المشروع يمثل تجسيدًا لأسلوب ترامب في العمل، حيث يمزج بين السلطة والثروة، ويحول كل شيء إلى فرصة تجارية. ويبقى السؤال: هل سيقبل الجمهور هذا التحول في مفهوم المكتبات الرئاسية، أم سيطالب بحفظ التراث الرئاسي بطريقة أكثر جدية ومسؤولية؟















