رغم تراجع كثافة القصف الشامل في غزة، لا يوحي المشهد بأن الحرب تتجه إلى خاتمة سياسية، بل إلى طور جديد من السيطرة الهادئة، تُستبدل فيه سياسة القضم التدريجي بإستراتيجية الإبادة المفتوحة، تحت مظلة اتفاق معلّق يمنح إسرائيل زمنا لإعادة تشكيل الواقع الميداني. هذا الوضع المعقد يثير تساؤلات حول مستقبل الوضع في غزة، وطبيعة الترتيبات السياسية والاقتصادية التي قد تتبلور في الأشهر والسنوات القادمة.
التحول في الاستراتيجية الإسرائيلية: من القصف إلى السيطرة الهادئة
المرحلة الأولى من خطة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، التي كان يفترض أن تمهّد لانسحاب وترتيبات دولية، تحولت عمليا إلى غطاء لإدامة وضع رمادي، تُبقي فيه تل أبيب يدها الطولى في الميدان من دون كلفة دولية توازي كلفة العودة إلى حرب واسعة. هذا التحول لا يعكس رغبة في حسم الصراع، بل في تجميده لصالح إسرائيل، وفقًا للتحليلات الواردة في برنامج “مسار الأحداث”.
حكومة نتنياهو لا تسعى إلى إنهاء سياسي للصراع، بقدر ما ترغب في توسيع السيطرة ببطء مع تجنب الضغوط الدولية. ميدانياً، يتجلى ذلك في التوسع المستمر لما يُعرف بـ “المنطقة الصفراء”، التي تغطي الآن أكثر من 60% من مساحة القطاع. هذا التوسع مصحوب بعمليات اغتيال وهدم مستمرة، بالإضافة إلى منع عودة النازحين إلى منازلهم، مما يعيد رسم الحدود الفعلية للسيطرة بشكل يخدم الأهداف الإسرائيلية.
هندسة الواقع الاحتلالي الجديد: الفصل الجغرافي والديمغرافي
يرى الدكتور إياد القرا، الكاتب والمحلل السياسي من خان يونس، أن ما يحدث ليس مجرد إجراءات أمنية، بل “هندسة مقصودة لواقع احتلالي جديد”. هذه الهندسة تعتمد على استخدام الجغرافيا والضغط الديمغرافي لفرض فصل عملي بين شرق غزة، الخاضع للسيطرة الإسرائيلية، وغربها، المكتظ بالنازحين.
دفع السكان قسراً نحو الشريط الساحلي، مع إبقاء المعابر مغلقة وتعطيل إعادة الإعمار، يهدف إلى تفريغ مساحات واسعة من الحياة وتحويلها إلى نطاق أمني مغلق. هذه المنطقة العازلة طويلة الأمد تهدف إلى تقويض أي مقاومة مستقبلية، وترسيخ حالة من الاعتماد على إسرائيل في توفير الاحتياجات الأساسية. هذا النهج يمثل تحدياً كبيراً لـ مستقبل غزة ويثير قلقاً بالغاً بشأن الظروف الإنسانية للسكان.
إدارة الصراع كبديل للحسم: مكاسب إسرائيلية وسياسية
يشير الدكتور مهند مصطفى، الأكاديمي والخبير في الشؤون الإسرائيلية، إلى أن تل أبيب انتقلت من منطق الحسم العسكري إلى منطق “إدارة الصراع”. ففي رأيه، الاحتلال المتدرج أقل كلفة سياسية من حرب إبادة شاملة قد تعيد عزلة إسرائيل دولياً.
البقاء في المرحلة الأولى من الاتفاق الحالي يسمح لإسرائيل بممارسة قدر كبير من حرية الحركة الميدانية، ويؤجل الانتقال إلى مرحلة ثانية قد تفرض انسحاباً أو ترتيبات دولية تحد من سيطرتها على القطاع. استخدام شعار “نزع سلاح حماس” كأداة سياسية لتعليق المسار التفاوضي يبرر، في نظر إسرائيل، الإبقاء على الوضع القائم كخيار “اضطراري”، مع العلم المسبق بصعوبة تحقيق هذا الهدف. هذه الاستراتيجية تهدف إلى الحفاظ على السيطرة على غزة بأقل قدر ممكن من التنازلات.
إفساد التنفيذ: التلاعب بالملفات الإقليمية والالتزامات الشكلية
من زاوية أخرى، يرى الدكتور محجوب الزويري، الأكاديمي والخبير في سياسات الشرق الأوسط، أن نتنياهو لا ينسف الخطة الأميركية صراحة، بل يعمد إلى “إفساد تنفيذها” من خلال تعطيل آلياتها وربطها بملفات إقليمية معقدة مثل إيران ولبنان وسوريا.
هذا الربط يربك إدارة ترامب ويضعف قدرتها على ممارسة ضغط مركز على إسرائيل، بينما يظهر نتنياهو سلوكه على أنه التزام شكلي بالخطة، دون الخروج عليها فعلياً. هذه المناورة السياسية تهدف إلى إعطاء الانطباع بالتعاون مع الولايات المتحدة، مع الحفاظ على اليد العليا في تحديد مسار الأحداث في غزة.
تباين صامت بين واشنطن وتل أبيب: غياب الآليات التنفيذية
يشير جو بوريلي، الزعيم الجمهوري السابق لمجلس مدينة نيويورك، إلى وجود تباين صامت بين ترامب ونتنياهو حول توقيت وآليات الانتقال إلى المرحلة الثانية من الاتفاق. الإدارة الأميركية، بحسب بوريلي، لم تضع أدوات تنفيذية واضحة أو جداول زمنية ملزمة لفتح المعابر أو نشر قوة دولية.
هذا الغياب للآليات التنفيذية يجعل الاتفاق الحالي إطاراً سياسياً بلا مخالب، ويمنح إسرائيل هامشاً واسعاً للمناورة وفرض الوقائع على الأرض. سيطرة إسرائيل على معبر رفح، على وجه الخصوص، وتحكمها في إدخال المساعدات الإنسانية، يحوّلان البعد الإنساني إلى ورقة ضغط سياسية تُستخدم لانتزاع تنازلات أو لترسيخ معادلة السيطرة.
الواقع الميداني: جمود يهدد المستقبل
في غزة، كما ينقل الدكتور القرا، يُترجم هذا الجمود إلى شعور متزايد بأن الهدنة لم تغير جوهر المعادلة. الحصار لا يزال قائماً، والدمار يتسع، والانسحاب مفقود، بينما تتحول الحياة اليومية إلى انتظار طويل تحت سقف خيام ومناطق مغلقة. هذا الوضع يفاقم معاناة السكان ويقوض أي أمل في تحسن الظروف المعيشية.
مصطفى يرى أن نتنياهو يفضّل هذا الوضع لأنه يحقق له توازناً حساساً يرضي اليمين المتطرف ويجنّبه مواجهة دولية شاملة. الزويري يخلص إلى أن غياب آلية دولية ملزمة، يجعل المرحلة الأولى من الاتفاق أداة لتقنين القضم التدريجي، وليس جسراً نحو تسوية حقيقية.
باختصار، يبدو أن مستقبل الوضع السياسي في غزة مهدداً بتجميد الصراع، وتكريس الاحتلال، وإعاقة أي جهود لإعادة الإعمار أو تحقيق الاستقرار. يتطلب تغيير هذا المسار ضغطاً دولياً حقيقياً، وآلية تنفيذية ملزمة، والتزاماً جاداً من جميع الأطراف بالبحث عن حل عادل ودائم للقضية الفلسطينية.


