في أعقاب أيام من الاشتباكات العنيفة، بدأت مدينة حلب تشهد عودة تدريجية للحياة الطبيعية، مع انسحاب قوات سوريا الديمقراطية (قسد) وعودة سيطرة الجيش السوري على أحياء الأشرفية والشيخ مقصود. هذه التطورات تبعث الأمل في قلوب السكان الذين اضطروا للنزوح، لكنها تأتي مصحوبة بحذر وترقب، خاصة مع استمرار عمليات التمشيط بحثًا عن الألغام والمفخخات.
عودة السكان إلى حي الأشرفية: بين الأمل والحذر
يروي عابد إعزازي، أحد سكان حي الأشرفية القدامى، تجربته المؤلمة بعد عودته إلى منزله. غادر إعزازي مع عائلته قبل أسبوع هربًا من القصف والقذائف، تاركًا خلفه كل ممتلكاته خوفًا على أطفاله. “كنا نتابع الأخبار من مراكز الإيواء وقلوبنا معلقة ببيوتنا”، يقول إعزازي للجزيرة نت.
وعند العودة، وجد السكان شوارعًا مغطاة بالزجاج المكسر وشظايا القصف، وجدرانًا مثقوبة بالرصاص. ومع ذلك، شعروا بالأمان لأول مرة منذ أيام. فرق الدفاع المدني والأجهزة الأمنية تعمل بجد لإزالة الألغام والمفخخات، بالتزامن مع إعادة فتح بعض المحال التجارية. مشهد الأطفال يلعبون بين الركام يبعث على الأمل، وكأنهم يستعيدون جزءًا من طفولتهم المفقودة.
تحديات ما بعد الاشتباكات
على الرغم من عودة الهدوء النسبي، لا تزال هناك تحديات كبيرة تواجه السكان. عمليات التمشيط الأمنية مستمرة، خاصة في حي الشيخ مقصود، مما يعيق عودة السكان بشكل كامل. يؤكد عابد إعزازي أن استقرار حي الأشرفية لن يكتمل إلا بعودة سكان حي الشيخ مقصود إلى منازلهم.
استقرار حلب: تأكيدات رسمية وجهود ميدانية
أكد محافظ حلب، عزام الغريب، أن المدينة أصبحت خالية تمامًا من مسلحي قسد، مشيرًا إلى تحسن ملحوظ في الأوضاع الأمنية وعودة الاستقرار تدريجيًا. بدأ الأهالي الذين نزحوا قسرًا خلال الفترة الماضية العودة إلى منازلهم في حي الأشرفية، وسط انتشار فرق الدفاع المدني والأجهزة الأمنية.
يارا محمد، أم لثلاثة أطفال، كانت من أوائل العائدين إلى حي الشيخ مقصود رغم استمرار عمليات التمشيط. تعبر يارا عن مشاعر متداخلة بين الأمل والحذر. “الأيام الماضية كانت مليئة بالخوف بسبب أصوات الاشتباكات وقلقي على منازلنا وذكرياتنا”، تقول يارا للجزيرة نت. مشهد الجنود السوريين وهم ينشرون نقاط التفتيش ويؤمنون الشوارع جلب نوعًا من الارتياح، ورغم الدمار الواضح، فإن عمل الفرق الهندسية في نزع المتفجرات وتنظيف الشوارع يمنحهم الأمل.
جهود إعادة الإعمار واللحمة المجتمعية
لا يزال حي الشيخ مقصود تحت مراقبة دقيقة مع استمرار عمليات التمشيط الأمنية. وفقًا لبيان لقائد قسد مظلوم عبدي، تم نقل آخر مجموعات المقاتلين تحت إشراف السلطات السورية وبوساطة دولية، مع إعلان وقف إطلاق النار وإجلاء المدنيين والجرحى والقتلى.
قائد الأمن الداخلي بحلب، محمد عبد الغني، أكد أن الدولة السورية تعمل على تعزيز اللحمة المجتمعية بعد أضرار كبيرة سببها النظام السابق على مدى خمسين عامًا. وأشار إلى أن عامًا واحدًا من جهود الدولة الجديدة أسهم في الوصول إلى هذه المرحلة، معتبرًا ذلك إنجازًا مهمًا. وأكد على أن الأجهزة ستتعامل بصرامة مع أي تجاوز، مع وجود توجيهات صارمة ومدونة سلوك واضحة.
دور فرق الطوارئ والكوارث
فرق الدفاع المدني وإزالة مخلفات الحرب والاستجابة الطارئة تواصل أعمالها لليوم السادس على التوالي ضمن اللجنة المركزية للاستجابة الطارئة. تشمل هذه الأعمال إزالة الأتربة والسواتر الترابية بعد انتهاء عمليات المسح الميداني في أحياء الشيخ مقصود والأشرفية وبني زيد. تقوم الفرق أيضًا بنقل وتوزيع المواد الأساسية ومرافقة قوافل إعادة النازحين، مع الاستعداد للتعامل مع الهجمات بالطائرات المسيّرة الانتحارية والاستجابة الإنسانية في جميع أنحاء محافظة حلب.
مستقبل حلب: نحو التعافي والاستقرار
تعكس هذه التطورات تحولًا ميدانيًا مهمًا في حلب، حيث يأمل السكان استعادة الحياة الطبيعية بعد نزوح عشرات الآلاف وتضرر المباني والمرافق. التأكيدات الرسمية على تأمين عودة آمنة ومنظمة للنازحين تبعث برسالة أمل. الطريق إلى الاستقرار الكامل قد يكون طويلًا، لكن عودة الحياة إلى الأحياء المتضررة تعكس قدرة المدينة على التعافي من جراحها.
إن عودة الحياة إلى طبيعتها في حلب تتطلب جهودًا متواصلة في إعادة الإعمار، وتعزيز الأمن، وبناء الثقة بين جميع أطراف المجتمع. مع استمرار عمليات التمشيط وتوفير الدعم اللازم للنازحين، يمكن لحلب أن تستعيد مكانتها كمدينة حيوية ومزدهرة في قلب سوريا.


