في السنوات الأخيرة، لم تعد حوادث استهداف الفلسطينيين في الداخل المحتل برصاص الشرطة الإسرائيلية مجرد أحداث فردية عابرة، بل تحولت إلى نمط مقلق ومستشري، يعكس تحولاً بنيوياً في وظيفة المؤسسة الأمنية الإسرائيلية. فبدلاً من كونها جهة مسؤولة عن حفظ القانون والنظام، يبدو أنها باتت أداة سياسية فعالة تعمل ضمن إطار ممنهج يهدف إلى الاستهداف والترهيب والتنكيل بالفلسطينيين. هذه الحوادث المتكررة تثير تساؤلات جدية حول سيادة القانون وحقوق الإنسان في إسرائيل، وتلقي الضوء على حالة من الإفلات من العقاب التي تحمي قوات الشرطة.

مقتل محمد حسين الترابين: رمز للتصعيد الخطير

يأتي مقتل الشاب محمد حسين الترابين، من سكان قرية “ترابين الصانع” في منطقة النقب جنوبي البلاد، ليلة الأحد، كأحدث حلقة في سلسلة العنف المتصاعدة. فقد أطلقت عناصر الشرطة الإسرائيلية الرصاص على الترابين خلال اقتحامهم للقرية، الأمر الذي لم يكشف فقط عن نمط استخدام مفرط للقوة، بل عن غطاء سياسي كامل يمنح الشرطة هامشًا واسعًا للإفلات من المحاسبة. وعقب الحادث، فرضت الشرطة طوقًا أمنيًا مشددًا حول القرية خشية اندلاع مواجهات، وقررت محكمة بئر السبع فرض الحبس المنزلي لمدة 5 أيام على الشرطي المتورط في مقتل الترابين، مع تحذيره بشبهة إطلاق نار غير قانوني. في المقابل، زعمت الشرطة أن الضحية “شكل خطرًا على قواتها”، وهي الرواية التي تكررت في العديد من الحالات المشابهة.

دعم سياسي صريح من الحكومة الإسرائيلية

تصاعد هذا العنف يرافقه دعم سياسي صريح من الحكومة الإسرائيلية. فقد أشاد رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، في مستهل الاجتماع الأسبوعي للحكومة، بوزير الأمن القومي إيتمار بن غفير، مثنيًا على ما وصفه بقيادته “جهود الشرطة الإسرائيلية لإعادة فرض الحوكمة في النقب”. وأضاف نتنياهو أنه يعتزم “زيارة الجنوب” خلال الأيام القليلة المقبلة للاطلاع على نشاط الشرطة، مؤكدًا: “سنفعل كل ما يلزم لمنع تحول النقب إلى جنوب جامح”. هذا التصريح يعكس بشكل واضح الضوء الأخضر السياسي الذي تمنحه الحكومة الإسرائيلية لعمليات الشرطة في النقب، ويدعم بشكل غير مباشر استخدام القوة المفرطة ضد السكان الفلسطينيين. الشرطة الإسرائيلية تحظى بحماية سياسية غير مسبوقة.

روايات متضاربة وتفنيد للرواية الرسمية

في المقابل، فنّدت عائلة الترابين رواية الشرطة، وأكدت أن ابنها قُتل فور فتحه باب منزله أثناء محاولة اعتقاله. وقال نجل الضحية البالغ من العمر 11 عامًا: “طرقوا الباب.. أبي فتحه وفورا أطلقوا النار عليه في صدره”. وأضافت العائلة أن الشرطة سحبت القتيل إلى الشرفة، وخلعت عنه بنطاله، وفتشت المنزل بينما كان ملقى على الأرض، ثم قامت بتنظيف الدم عند المدخل. هذه التفاصيل المروعة التي قدمتها العائلة تلقي بظلال الشك على الرواية الرسمية للشرطة، وتؤكد وجود تلاعب بالأدلة ومحاولة لتبرير جريمة قتل.

ارتفاع مقلق في القتلى العرب واستخدام الرصاص الحي

يعكس تصاعد عدوان الشرطة الإسرائيلية على الفلسطينيين، وخاصة أهالي النقب، ارتفاعًا مقلقًا في عدد القتلى العرب. تشير معطيات “صندوق إبراهيم” إلى تصاعد غير مسبوق في استخدام الشرطة الإسرائيلية للرصاص الحي ضد المواطنين العرب، حيث قتل 12 مواطنًا عربيًا برصاص الشرطة خلال عام 2023، دون محاكمة أي شرطي. وأظهرت دراسات مركز “عدالة” القانوني أن 112 عربيًا من فلسطينيي 48 قُتلوا برصاص الشرطة وأجهزة الأمن الإسرائيلية منذ اندلاع الانتفاضة الثانية في عام 2000، من بينهم 28 قتيلاً سقطوا منذ بدء الحرب على غزة في أكتوبر/تشرين الأول 2023. هذه الأرقام الصادمة تدل على وجود سياسة متعمدة تستهدف حياة الفلسطينيين، وتُمارس تحت ذرائع واهية مثل “الاشتباه” أو “التهديد الأمني”.

حملة ممنهجة وعقوبات جماعية في النقب

حادثة ترابين الصانع ليست بمعزل عن الأحداث، بل هي جزء من حملة واسعة للشرطة الإسرائيلية على القرى البدوية في النقب، تشمل اعتقالات ومداهمات وأوامر هدم. وتأتي هذه الحملة في سياق جولات استفزازية متكررة قام بها الوزير المتطرف بن غفير، والذي اقتحم القرية 3 مرات خلال أسبوعين. هذه الاقتحامات ليست مجرد استعراض للقوة، بل هي محاولة لترهيب السكان وتهجيرهم من أراضيهم.

إدانات واسعة النطاق ومطالبات بتحقيق مستقل

أدان رئيس لجنة المتابعة العليا جمال زحالقة “الجريمة النكراء” في قرية ترابين الصانع، مؤكدًا أن “الشرطة الإسرائيلية تمارس الجريمة والعنف، وتشن حملة ترهيب وانتقام ضد الأبرياء”. واتهم الشرطة بالقتل المتعمد، معتبرًا أن توجهها “دموي”. كما انتقد المحامي يوسف العطاونة، من سكان القرية، نتنياهو وبن غفير، واتهمهما بالمسؤولية المباشرة عن مقتل الترابين وسياسة التحريض الممنهج ضد الفلسطينيين. وطالب العديد من النشطاء والقانونيين بفتح تحقيق مستقل وشفاف في الحادثة، خارج أطر المؤسسة الأمنية المتورطة. حقوق الإنسان للفلسطينيين في الداخل المحتل مهدرة.

تصعيد خطير وتحديات مستقبلية

يشير كل ما سبق إلى تصعيد خطير في الهجمة على الفلسطينيين في الداخل المحتل، وخاصة في النقب. هذا التصعيد يمثل تحديًا كبيرًا لحقوق الإنسان وسيادة القانون، ويتطلب تدخلًا دوليًا عاجلًا لوقف العنف وضمان محاسبة الجناة. يجب على المجتمع الدولي الضغط على الحكومة الإسرائيلية لوقف سياسات التمييز والعنف ضد الفلسطينيين، والالتزام بالقانون الدولي وحماية حقوقهم الأساسية.

ختامًا، مقتل محمد حسين الترابين هو مجرد مثال واحد على العنف المنهجي الذي يستهدف الفلسطينيين في الداخل المحتل. يجب على الجميع العمل معًا لكشف الحقيقة ومحاسبة المسؤولين، وإيجاد حل عادل ودائم لهذا الصراع المستمر. ندعو إلى الوحدة والتكاتف لدعم أهالي النقب في وجه هذه الهجمة الشرسة والدفاع عن حقهم في الحياة والأمن.

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version