يشهد العام 2025 تصعيدًا خطيرًا في الانتهاكات الإسرائيلية بحق الفلسطينيين والأراضي الفلسطينية في الضفة الغربية، مما يستدعي وقفة جادة وتحركًا عاجلًا على كافة الأصعدة. هذا ما أكده تقرير سنوي صادر عن هيئة مقاومة الجدار والاستيطان الفلسطينية، والذي أظهر ارتفاعًا قياسيًا في الاعتداءات، وتوسيعًا ملحوظًا للغزو الاستيطاني، ليس فقط من خلال البناء العشوائي، بل أيضًا عبر تشريعات تهدف إلى ترسيخ الوجود الإسرائيلي بشكل دائم. التقرير، الذي عُرض في رام الله، يركز بشكل خاص على تداعيات هذه التطورات على مستقبل القضية الفلسطينية، ويطالب بتحرك وطني شامل لحماية الأرض.
تصاعد الاعتداءات في الضفة الغربية عام 2025
أفاد التقرير بأن عام 2025 شهد تنفيذ 23,827 اعتداءً من قبل جيش الاحتلال والمستوطنين ضد المواطنين الفلسطينيين وممتلكاتهم في مختلف محافظات الضفة الغربية. هذا الرقم يمثل ارتفاعًا غير مسبوق في عدد الاعتداءات المسجلة خلال عام واحد، مما يعكس حالة تصعيد خطيرة في العنف والتهديدات التي تواجه الفلسطينيين.
أنواع الاعتداءات وتوزيعها الجغرافي
توزعت هذه الاعتداءات على عدة أشكال، حيث سجل التقرير 1,382 اعتداءً على الأراضي والمزروعات، و16,664 اعتداءً على الأفراد، و5,398 اعتداءً على الممتلكات. كما أشار التقرير إلى أن المستوطنين كانوا متورطين بشكل مباشر في 4,723 من هذه الاعتداءات، مما يؤكد دورهم المحوري في تنفيذ هذه الجرائم. وتسببت هذه الاعتداءات باستشهاد 14 مواطنًا، وإشعال 434 حريقًا في ممتلكات وحقول الفلسطينيين، واقتلاع وتخريب وتسميم ما يزيد عن 35,273 شجرة، بما في ذلك 26,988 شجرة زيتون معمرة.
ترحيل الفلسطينيين وسيطرة المستوطنين على الأراضي
لم يقتصر الأمر على الاعتداءات الجسدية والمادية، بل امتد ليشمل عمليات الترحيل القسري للفلسطينيين من أراضيهم. أفاد التقرير بتهجير 13 تجمعًا بدويًا فلسطينيًا منذ بداية العام، مما أدى إلى نزوح 197 عائلة تضم 1090 فردًا. في المقابل، سيطر المستوطنون على هذه التجمعات، واستخدموها لتعزيز وجودهم الاستيطاني. هذه السياسة تهدف إلى تغيير التركيبة السكانية في الضفة الغربية، وتقويض الحق الفلسطيني في الأرض.
عمليات الهدم وتوسيع المستوطنات
بلغت عمليات الهدم ذروتها في عام 2025، حيث نفذت سلطات الاحتلال 538 عملية هدم طالت 1400 منشأة، بما في ذلك 304 منازل مسكونة و74 منزلًا غير مسكون، بالإضافة إلى 270 منشأة تجارية و490 منشأة زراعية. هذه العمليات تهدف إلى إجبار الفلسطينيين على مغادرة أراضيهم، وإفساح المجال أمام التوسع الاستيطاني.
السيطرة المتزايدة على الأراضي الفلسطينية
أظهرت المعطيات أن دولة الاحتلال باتت تفرض سيطرتها الفعلية على حوالي 41% من مجمل مساحة الضفة الغربية، وتُحكم قبضتها على ما يقارب 70% من المناطق المصنفة “ج”، والتي تشكل حوالي 60% من الضفة وتخضع للسيطرة الإسرائيلية الكاملة. بالإضافة إلى ذلك، تستأثر سلطات الاحتلال بما يزيد عن 90% من مساحة الأغوار الفلسطينية، من خلال منظومة متكاملة من الأوامر العسكرية وإجراءات نزع الملكية. هذا التوسع الاستيطاني الهائل يهدد بقطع الشرايين الحيوية للفلسطينيين، وتقويض قدرتهم على البقاء والاستمرار على أرضهم. الاستيطان أصبح يشكل خطرًا وجوديًا على المشروع الوطني الفلسطيني.
التشريع كثوب مُغطٍّ للانتهاكات
لم يقتصر الاحتلال على الممارسات العسكرية والأمنية، بل لجأ إلى التشريع كأداة مركزية لتعميق المشروع الاستيطاني. أشارت الهيئة إلى مجموعة قوانين تهدف إلى تسوية البؤر الاستيطانية التي أُقيمت بشكل غير قانوني، وتعزيز السيطرة الإسرائيلية على أراضي الضفة الغربية، وتقويض الحقوق القانونية للفلسطينيين. من بين هذه القوانين، قانون تمكين المستوطنين من تملك العقارات والأراضي، وقانون تغيير مسمى الأرض الفلسطينية إلى أسماء توراتية قديمة. تمثّل هذه التشريعات نقلة نوعية في سياسة الاحتلال، حيث تحاول إضفاء الشرعية على ممارساته غير القانونية.
مخططات توسعية خطيرة وتأثيرها على الأرض
كشف التقرير أن اللجان التخطيطية التابعة للاحتلال درست منذ بداية عام 2025 ما مجموعه 265 مخططًا هيكليًا لبناء 34,979 وحدة استيطانية جديدة على مساحة 33,448 دونمًا. تمت المصادقة على 20,850 وحدة منها، مما يعني أن هذه الوحدات ستُبنى في المستقبل القريب. تركزت هذه المخططات بشكل خاص في محافظة القدس، تليها سلفيت، وبيت لحم، ورام الله، ونابلس، وقلقيلية. من بين أخطر هذه المخططات، مخطط إي1 شرقي القدس، والذي جرت المصادقة عليه بعد تأجيل استمر لمدة 30 عامًا. هذا المخطط يهدد بقطع الشرايين الحيوية بين القدس والضفة الغربية، وتقويض فرص إقامة دولة فلسطينية قابلة للحياة.
الحاجة إلى استجابة وطنية شاملة
خلصت الهيئة إلى أن المرحلة الراهنة تتطلب “انتقالًا وطنيًا عاجلًا من توصيف المخاطر إلى بناء استجابة شاملة لحماية الأرض الفلسطينية”. وشددت على ضرورة توزيع واضح للأدوار وتكامل الجهود بين المؤسسات الرسمية والقوى السياسية والمجتمعية، بما يعيد الاعتبار للأرض بوصفها جوهر الصراع ومركزه. كما دعت إلى “حماية فورية ومنهجية للتجمعات الفلسطينية المستهدفة عبر خطط تدخل عملية مستدامة تعزز صمود الإنسان”. الوضع في الضفة الغربية يتطلب تحركًا دوليًا عاجلًا لوقف الانتهاكات الإسرائيلية، وضمان حقوق الفلسطينيين.
في الختام، يمثل التقرير السنوي لهيئة مقاومة الجدار والاستيطان الفلسطينية ناقوس خطر يدق على أبواب المجتمع الدولي، ويطالب بالتحرك الفوري لوقف التصعيد الخطير في الضفة الغربية، وحماية الشعب الفلسطيني من الاعتداءات المتزايدة، وضمان مستقبل عادل ومستقر له على أرضه. يجب على المجتمع الدولي أن يتحمل مسؤوليته في إنفاذ القانون الدولي، ووضع حد للإفلات من العقاب الذي تتمتع به إسرائيل.


