بيروت – لم يعد السلاح الفلسطيني داخل المخيمات يُفهم بمعزل عن التحولات التي تعيشها القضية الفلسطينية أو المتغيرات في الداخل اللبناني. فالفصائل التي حملت السلاح يوما لمواجهة إسرائيل تجد نفسها اليوم أمام واقع جديد يتراجع فيه الدور العسكري لصالح أدوار سياسية وأمنية داخلية، وسط انقسام فلسطيني عميق. هذا التحول يضع الدولة اللبنانية أمام تحديات معقدة، تتراوح بين الحفاظ على الأمن الوطني وتقدير الحساسيات الإنسانية والسياسية للمخيمات.

تطورات القضية الفلسطينية وتأثيرها على السلاح في المخيمات

لطالما ارتبط السلاح الفلسطيني في لبنان بمرحلة المقاومة ضد إسرائيل. ومع تغير موازين القوى الإقليمية وتراجع الدور العسكري المباشر للفصائل الفلسطينية، بدأت طبيعة هذا السلاح تتغير. لم تعد الفصائل تستخدمه بشكل أساسي لمواجهة إسرائيل، بل أصبحت تواجه تحديات داخلية تتعلق بالحفاظ على الأمن والنفوذ داخل المخيمات، وفي بعض الأحيان، في صراعات مع قوى أخرى.

هذا التطور تزامن مع انقسام فلسطيني حاد بين الضفة الغربية وغزة، مما أثر على قدرة الفصائل على التنسيق واتخاذ قرارات موحدة بشأن مستقبل السلاح الفلسطيني في لبنان. كما أن تراجع الدعم المالي المقدم للاجئين الفلسطينيين، خاصةً من وكالة الأونروا، أدى إلى تفاقم الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية في المخيمات، مما يزيد من تعقيد المشهد الأمني والسياسي.

موقف الدولة اللبنانية من السلاح الفلسطيني

تنظر الدولة اللبنانية إلى السلاح الفلسطيني من منظور سيادتها الوطنية وواجبها في بسط سلطتها على كامل الأراضي اللبنانية. تعتبر بيروت أن وجود سلاح خارج عن سيطرة الدولة يشكل ثغرة أمنية تهدد الاستقرار. ومع ذلك، تدرك الدولة اللبنانية أيضاً حساسية الوضع في المخيمات، وتخشى من أن أي محاولة قسرية لنزع السلاح قد تؤدي إلى انفجار اجتماعي أو إلى تدخلات خارجية غير مرغوب فيها.

هناك إدراك متزايد بأن التعامل مع ملف السلاح الفلسطيني يتطلب مقاربة متوازنة تأخذ في الاعتبار الأبعاد الأمنية والسياسية والإنسانية. وتسعى الدولة اللبنانية إلى تحقيق هذا التوازن من خلال الحوار والتفاوض مع الفصائل الفلسطينية، مع التأكيد على ضرورة احترام القانون اللبناني.

تجارب سابقة في تسليم السلاح: دروس مستفادة

التجارب السابقة للمخيمات التي قامت بتسليم أسلحتها تقدم دروساً قيمة. ففي بعض الحالات، ساهم تسليم السلاح في خفض منسوب التوتر وتعزيز التنسيق الأمني مع الدولة اللبنانية. ومع ذلك، كشفت هذه التجارب أيضاً عن محدودية الحلول الأمنية إذا لم تكن مصحوبة بخطوات سياسية واجتماعية لمعالجة الأسباب الجذرية للمشاكل في المخيمات، مثل الفقر والبطالة وغياب الحقوق المدنية.

من الضروري أن يكون تسليم السلاح الفلسطيني جزءاً من خطة شاملة تهدف إلى تحسين الأوضاع المعيشية للاجئين الفلسطينيين ومنحهم حقوقهم المدنية والاجتماعية. فالتركيز على الجانب الأمني وحده قد يؤدي إلى تفاقم المشاكل القائمة وزيادة خطر الانفجار.

عملية تسليم السلاح الأخيرة: خطوات نحو الاستقرار؟

في الأشهر الأخيرة، بدأ الجيش اللبناني في استلام السلاح الفلسطيني التابع لحركة فتح وفق خطة مرحلية. في 21 أغسطس/آب الماضي، استلم الجيش السلاح من مخيم برج البراجنة في بيروت، وتبع ذلك تسليم السلاح من مخيمات الرشيدية والبص والبرج الشمالي في صور في 28 من الشهر نفسه. ثم جاءت دفعة ثالثة في 29 أغسطس/آب من مخيمات برج البراجنة ومار إلياس وشاتيلا.

هذه الخطوات تعتبر إيجابية من قبل العديد من الأطراف، حيث أنها تعكس رغبة في التعاون والتنسيق بين الفصائل الفلسطينية والدولة اللبنانية. ومع ذلك، يرى البعض أن هذه الخطوات لا تزال محدودة النطاق وأنها لا تعالج جوهر المشكلة.

وجهات نظر مختلفة: حماس والمسؤولون في عين الحلوة

يقول مسؤول العلاقات العامة والإعلام في مخيم عين الحلوة عبد الهادي أسدي إن تسليم السلاح هو نتيجة طبيعية للتفاهمات التي تم التوصل إليها بين الرئيس الفلسطيني محمود عباس والرئيس اللبناني العماد جوزيف عون، وكذلك لعمل اللجنة المشتركة التي انبثقت عن لقائهما. ويؤكد أن التنسيق مع الدولة اللبنانية قائم على أعلى المستويات.

بينما يرى المسؤول الإعلامي لحركة حماس في لبنان، وليد كيلاني، أن ملف السلاح الفلسطيني لا يمكن فصله عن بقية قضايا اللاجئين، وأن أي معالجة جدية يجب أن تندرج ضمن رؤية أمنية سياسية شاملة. ويشير إلى أن اللاجئين الفلسطينيين يعانون من أزمات مزمنة تتعلق بالعمل والتملك والإعمار، وأن التركيز على تسليم السلاح دون معالجة هذه القضايا مجتمعة هو مقاربة جزئية وغير فعالة.

مستقبل السلاح الفلسطيني في لبنان: تحديات وفرص

يبقى ملف السلاح الفلسطيني في لبنان اختباراً لقدرة الأطراف على إيجاد مقاربة متوازنة تحافظ على أمن المخيمات وسلامة الدولة في الوقت نفسه. يتطلب ذلك حواراً صريحاً وبناءً بين جميع الأطراف المعنية، بالإضافة إلى خطوات عملية لتحسين الأوضاع المعيشية للاجئين الفلسطينيين ومنحهم حقوقهم المدنية والاجتماعية.

الانقسام الفلسطيني الداخلي يمثل تحدياً كبيراً أمام تحقيق هذا الهدف. ومع ذلك، هناك أيضاً فرص للتعاون والتنسيق، خاصةً في ظل التهديدات الإقليمية المتزايدة. من خلال العمل معاً، يمكن للفصائل الفلسطينية والدولة اللبنانية بناء مستقبل أكثر استقراراً وأمناً للجميع. التعامل مع هذا الملف يتطلب رؤية استراتيجية بعيدة المدى، تتجاوز الحلول المؤقتة نحو حل شامل ومستدام.

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version