في عام 2025، شهدت بريشتينا، عاصمة كوسوفو، مشهداً سياسياً معقداً، حيث تعثرت جهود تشكيل حكومة جديدة في أكثر من خمسين محاولة فاشلة. هذا الجمود السياسي دفع البلاد في نهاية المطاف إلى إجراء انتخابات برلمانية مبكرة في 28 ديسمبر/كانون الأول، أملاً في إيجاد مخرج من هذا المأزق. النتائج الأولية أظهرت فوزاً ساحقاً لحزب “فيريفيندوسيا” (حركة تقرير المصير) بقيادة رئيس الوزراء ألبين كورتي، مما يفتح الباب أمام حقبة جديدة في السياسة الكوسوفية.

فوز ساحق لحركة “تقرير المصير”

أظهرت آخر النتائج غير النهائية حصول حزب “فيريفيندوسيا” على 49.3% من الأصوات، متقدماً بفارق كبير على أقرب منافسيه. هذا الفوز يضمن للحزب 56 مقعداً على الأقل من أصل 120 في البرلمان. بالإضافة إلى ذلك، من المتوقع أن يحصل كورتي على دعم نواب الأقليات العرقية، الذين يميلون تقليدياً إلى دعم الحزب الفائز، مما يرفع عدد المقاعد التي يمتلكها إلى 61 مقعداً، وهو ما يكفي لتشكيل حكومة دون الحاجة إلى البحث عن شركاء ائتلافيين آخرين. وتشير التقديرات إلى أن الأصوات القادمة من المغتربين، والتي تقدر بنحو 70 ألف صوت، قد تزيد من هامش فوز الحزب.

ردود الفعل الأولية على النتائج

عبر رئيس الوزراء ألبين كورتي عن شكره لشعب كوسوفو على “التفويض الساحق” الذي منحه إياه، مؤكداً في منشور على منصة “إكس” أن “مستقبل كوسوفو مزدهر ومتجه بقوة نحو الاتحاد الأوروبي”. من جانبها، أعربت رئيسة كوسوفو فيوسا عثماني عن توقعها بتشكيل البرلمان والحكومة الجديدين بسرعة، ودعت إلى إعطاء الأولوية لإقرار ميزانية الدولة والتصديق على الاتفاقيات الدولية الرئيسية.

المخاطر والتحديات القادمة

حذرت عثماني من أن التأخير في تشكيل المؤسسات قد يعرقل حصول البلاد على تمويل دولي بقيمة مليار يورو، بما في ذلك صناديق النمو التابعة للاتحاد الأوروبي والاتفاقيات المدعومة من البنك الدولي. هذا التأكيد على أهمية السرعة في تشكيل الحكومة يعكس الضغوط الاقتصادية التي تواجهها كوسوفو.

موقف الاتحاد الأوروبي

أكدت مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي كايا كالاس أن كوسوفو يجب أن تمضي قدماً في تنفيذ الإصلاحات الضرورية، معربة عن تطلعها إلى تشكيل البرلمان والحكومة الجديدين بسرعة بعد الجمود السياسي الذي أعقب انتخابات فبراير/شباط 2025. هذا الموقف يعكس التزام الاتحاد الأوروبي بدعم كوسوفو، ولكنه يشير أيضاً إلى ضرورة إجراء إصلاحات هيكلية لتحقيق الاستقرار والازدهار.

تحليل سياسي للوضع الجديد

يرى الدكتور صدري رامابايا، مدير المعهد الألباني للجغرافيا السياسية، أن الانتخابات البرلمانية المبكرة جاءت بعد جمود مؤسسي دام قرابة عام، ناتج عن عدم القدرة على تشكيل حكومة فعالة. لكنه يضيف أن النتائج الحالية تُظهر فوزاً حاسماً لحركة “تقرير المصير”، مما غيّر بشكل جذري السياق السياسي. ويوضح رامابايا أن الجمود السياسي لم يكن مجرد نتيجة حسابات برلمانية، بل كان “أزمة أعمق في الشرعية السياسية وثقافة التوافق”. ويرى أن رفض تشكيل مؤسسات فعالة حوّل التعددية السياسية إلى أداة عرقلة.

التفاؤل الحذر ومستقبل كوسوفو

بيرزات بيرزاتي، رئيس تحرير وكالة “كوسوفو إنفو” المستقلة، يبدي تفاؤلاً حذراً حيال إمكانية تشكيل حكومة جديدة بعد فترة وجيزة من تشكيل البرلمان الجديد، مع سرعة تشكيل اللجان البرلمانية. ويتوقع أن تكون كوسوفو أكثر استقراراً مما كانت عليه في العام الماضي، على الرغم من إقراره بأن هذا الاستقرار لن يتحقق تلقائياً. ويعتبر أن الاختبار الحاسم لعام 2026 يتمثل في الانتخابات الرئاسية.

العلاقة مع الأقلية الصربية

بالنسبة للعلاقة مع الأقلية الصربية في شمال البلاد، يوضح بيرزاتي أنه لا توجد توقعات بتغير التوجه العام، حيث تواصل كوسوفو توسيع مؤسساتها وتطبيق قوانينها، مع تركيز أكبر على الحوكمة اليومية. ويشير إلى أن تطبيق قواعد إقامة أكثر صرامة على الأجانب العاملين في كوسوفو، بما في ذلك الأساتذة والأطباء، قد يؤدي إلى توقف عدد كبير من المركبات عن العمل، مما يثير احتمالات لتجدد التوترات. ويؤكد رامابايا أن الأقلية الصربية “يتم استغلالها سياسياً” من قبل بلغراد.

مستقبل العلاقات الدولية

يرى رامابايا أن فوز حركة “تقرير المصير” لا يحل التوترات مع الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة تلقائياً، ولكنه يغير طبيعة هذه العلاقة. ويشير إلى أن رفع العقوبات الأوروبية وفتح حزم المساعدات المالية قد يسهمان في دعم المشاريع وتخطيط الميزانية. ويؤكد بيرزاتي أن الحفاظ على علاقات جيدة مع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي يتطلب تجنب أي تحركات جديدة تؤجج التوترات في الشمال.

في الختام، يمثل فوز حركة “تقرير المصير” في الانتخابات البرلمانية المبكرة في كوسوفو فرصة تاريخية لتحقيق الاستقرار السياسي والاقتصادي. ومع ذلك، فإن التحديات لا تزال قائمة، بما في ذلك الحاجة إلى إجراء إصلاحات هيكلية، وتحسين العلاقات مع الأقلية الصربية، والحفاظ على دعم الشركاء الدوليين. سيكون عام 2026 عاماً حاسماً بالنسبة لكوسوفو، حيث ستشهد البلاد انتخابات رئاسية ستحدد مسارها المستقبلي. لمتابعة آخر التطورات السياسية في كوسوفو، يمكنكم زيارة موقع الجزيرة نت. (هذا مثال على رابط داخلي)

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version