أدت التحركات الأخيرة لقوات “درع الوطن” إلى تغييرات جوهرية في خريطة السيطرة في المحافظات الشرقية لليمن، وأعادت ملف عدن إلى دائرة الضوء باعتباره التحدي الأكبر أمام مجلس القيادة الرئاسي، خاصةً مع تراجع النفوذ المتزايد للمجلس الانتقالي الجنوبي. هذه التطورات، التي نشهدها اليوم، تلقي بظلالها على مستقبل اليمن السياسي والأمني، وتُظهر مدى تعقيد المشهد وتداخل الأطراف الفاعلة فيه. السيطرة في المحافظات الشرقية أصبحت الآن محوراً هاماً في مساعي تحقيق الاستقرار.
سيطرة “درع الوطن” على المحافظات الشرقية وتأثيرها على “الانتقالي”
تمكنت قوات “درع الوطن” التابعة لمجلس القيادة الرئاسي اليمني من بسط سيطرتها الكاملة على محافظتي حضرموت والمهرة، بما في ذلك كافة التقسيمات الإدارية والوحدات العسكرية. كما دخلت محافظة شبوة بشكل رسمي تحت مظلة “الشرعية”، مما عزز من نفوذ مجلس القيادة في المنطقة الشرقية.
وبحسب سعيد ثابت، مدير مكتب الجزيرة في اليمن، باتت أهم المحافظات الشرقية الآن تخضع لتوجيهات مباشرة من مجلس القيادة. ويُعتبر هذا بمثابة خسارة استراتيجية كبيرة للمجلس الانتقالي، الذي كان يتمتع بنفوذ قوي في هذه المناطق، خاصةً في حضرموت الساحلية حيث سيطر عليها لمدة تقارب السبع سنوات.
أهمية السيطرة على الساحل
تكمن أهمية السيطرة على الساحل في التحكم في الموارد الحيوية، مثل الموانئ والمطارات والثروات الطبيعية. وبفقدان السيطرة على ميناء المكلا ومطار الريان، وهما من أهم مصادر الدخل للمجلس الانتقالي، يكون قد فقد جزءاً كبيراً من قدرته على المناورة الاقتصادية والسياسية. وكان “الانتقالي” يتقاسم السيطرة على حضرموت مع السلطة بنسبة 50% حتى نوفمبر/تشرين الثاني الماضي.
لقد شهدت مدينة المكلا دخول القوات الحكومية إلى مطار الريان الدولي وانتشارها في شوارع المدينة، بالإضافة إلى نصب نقاط تفتيش، وذلك عقب انسحاب قوات “الانتقالي” منها، مما يؤكد نجاح العملية العسكرية في بسط السيطرة.
التحديات الداخلية لمجلس القيادة الرئاسي
على الرغم من الحسم الميداني، يواجه مجلس القيادة الرئاسي تحديات داخلية كبيرة، أهمها حفظ الأمن ومنع التجاوزات على الأملاك العامة والنهب. توفير الاحتياجات الأساسية للمواطنين، مثل الغذاء والماء والدواء، يمثل أيضاً أولوية قصوى للحكومة الجديدة. فالسيطرة العسكرية وحدها لا تكفي لتحقيق الاستقرار، بل يجب أن تتبعها إجراءات حوكمة جيدة وخدمات أساسية للمواطنين.
بالإضافة إلى ذلك، يجب على الحكومة التعامل بحذر مع الوضع في المناطق التي شهدت اشتباكات، والسعي إلى تحقيق مصالحة وطنية شاملة.
عقدة عدن.. التحدي الأكبر لمجلس القيادة
يثير ملف عدن قلقًا بالغًا، حيث تظل العاصمة المؤقتة لا تلتزم بقرارات مجلس القيادة، وذلك في ظل سيطرة قوات الحزام الأمني التابعة للمجلس الانتقالي. وحسب التقارير، فإن رئيس مجلس القيادة نفسه لا يستطيع العودة إلى عدن، كما أن دخول المواطنين يتطلب الحصول على موافقات أمنية مسبقة.
هذه القيود تعكس رغبة حكومية في حسم ملف عدن، إما من خلال التوصل إلى تسوية سياسية، أو عبر عملية مشابهة لما حدث في حضرموت، في حال تعذر التوافق. لقد أصدرت الرئاسة اليمنية بيانًا اتهمت فيه تشكيلات تابعة للمجلس الانتقالي بفرض قيود غير قانونية على حركة المواطنين واحتجاز المسافرين، وهو ما نفاه “الانتقالي”. الأمن في عدن أصبح قضية محورية تتطلب حلاً سريعاً.
مستقبل المجلس الانتقالي الجنوبي
يرى ثابت الأحمدي، مستشار مكتب الرئاسة اليمنية، أن التطورات الأخيرة في حضرموت والمهرة تمثل نقطة تحول، وتشير إلى استنفاد كافة الحلول السلمية مع المجلس الانتقالي. ويؤكد أن القبائل الحضرمية لعبت دوراً حاسماً في رفض “السلوك المليشياوي” ومقاومته منذ البداية.
ويتهم الأحمدي المجلس الانتقالي بممارسة أساليب “مليشياوية”، مثل تعطيل المطارات ونهبها، بالإضافة إلى اتهامات خطيرة تتعلق بمصادرة الأسلحة وبيعها لتنظيم القاعدة، وتسهيل خروج عناصر إرهابية من سجن المكلا. هذه الاتهامات، إذا ثبتت صحتها، ستؤكد وجود “تحالفات خطيرة” تربط “الانتقالي” بقوى معادية.
فيما يتعلق بالحوار المرتقب، يشدد الأحمدي على أن مستقبل المجلس الانتقالي يكمن في قراراته الخاصة، وعلى رأسها التحول إلى كيان مدني سلمي، والتخلي عن السلاح، وقبول دمج التشكيلات العسكرية تحت سلطة وزارة الدفاع. ويرى أن الدولة لم تعد تحت رحمة موافقة “الانتقالي”، وأن الإجراءات العسكرية والأمنية ستستمر “سواء أعجبهم ذلك أم لا”.
هذه التطورات تأتي في أعقاب دعوة سعودية لجميع المكونات الجنوبية للمشاركة في مؤتمر حوار شامل في الرياض، بهدف التوصل إلى حلول عادلة للقضية الجنوبية. في المقابل، أعلن رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي، عيدروس الزُبيدي، عن بدء مرحلة انتقالية تتضمن استفتاءً لتقرير مصير “شعب الجنوب”، وهو ما قوبل برفض حكومي وإقليمي واسع. الحوار السياسي يظل السبيل الأمثل لتحقيق الاستقرار في اليمن.
باختصار، الوضع في اليمن يشهد تحولات متسارعة، وتعتبر السيطرة على المحافظات الشرقية و حسم ملف عدن من أبرز التحديات التي تواجه مجلس القيادة الرئاسي. مستقبل المجلس الانتقالي الجنوبي يتوقف على قدرته على التكيف مع هذه التغيرات، والانخراط في حوار سياسي بناء يضمن تحقيق الاستقرار والازدهار لليمن.


