في خضم التوترات المتصاعدة في منطقة الشرق الأوسط، وتحديداً فيما يتعلق بالبرنامج النووي الإيراني والأنشطة الإقليمية، تظهر محاولات دبلوماسية خلف الكواليس لتهدئة الأوضاع. وبينما أبدى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تخفيفاً في لهجته تجاه احتمال شن هجمات على إيران، تتضح معالم دور تركي متزايد الأهمية في لعب دور الوسيط بين واشنطن وطهران، والمساهمة في خفض التصعيد. هذا الدور يكتسب أهمية خاصة في ظل تقييم الإدارة الأمريكية لقدراتها العسكرية في المنطقة، وتحديداً فيما يتعلق بالرد المحتمل من إيران على أي عمل عدائي.
تطورات الموقف الأمريكي وتقييم المخاطر
أشارت تقارير متعددة إلى أن ترامب أعاد النظر في حساباته الاستراتيجية، وذلك بعد تقييم دقيق للأصول العسكرية المطلوبة لشن هجوم كبير على إيران، وقدرة هذه الأصول على مواجهة أي رد فعل إيراني على الأهداف الأمريكية وحلفائها في المنطقة. البيت الأبيض، وعلى لسان المتحدثة كارولين ليفيت، أكد أن جميع الخيارات لا تزال مطروحة على طاولة الرئيس، وأن القرارات النهائية ستتخذ بناءً على التطورات الداخلية في إيران. هذا التصريح يعكس حالة من عدم اليقين والترقب في واشنطن، مع إبقاء الباب مفتوحاً لكل الاحتمالات.
المطالب الأمريكية التي نقلتها أنقرة إلى طهران
كشف خبراء أتراك عن أن الولايات المتحدة قدمت مجموعة من المطالب إلى إيران، والتي تم نقلها عبر قناة تركية. هذه المطالب، وفقاً لمصادر دبلوماسية، تشمل:
- وقف البرنامج النووي الإيراني: وهو مطلب أساسي يهدف إلى منع إيران من تطوير أسلحة نووية.
- تسليم اليورانيوم المخصب: يهدف هذا المطلب إلى الحد من قدرة إيران على إنتاج مواد نووية.
- تدمير الصواريخ الباليستية: تحديداً تلك التي تمتلك مدى كافياً لاستهداف إسرائيل، وهو ما تعتبره واشنطن تهديداً للاستقرار الإقليمي.
- عدم التدخل في المنطقة: من خلال دعم القوى الوكيلة التي تنفذ أجندة إيرانية، وهو ما يثير قلقاً كبيراً لدى الولايات المتحدة وحلفائها.
هذه المطالب، كما أشارت المصادر الدبلوماسية، تعكس بشكل كبير الأولويات الإسرائيلية في المنطقة، بينما يبدو أن الولايات المتحدة لم تضع تغيير النظام في إيران أو التدخل في الاحتجاجات الداخلية كجزء من هذه المطالب الأولية.
الموقف التركي المعارض للتدخل العسكري
أكدت تركيا بشكل قاطع معارضتها لأي عملية عسكرية ضد إيران. مسؤول تركي رفيع المستوى صرح للجزيرة نت أن “تركيا تعارض أي عملية عسكرية ضد إيران، وأي عمل عسكري سيجعل المشاكل مزمنة وأكثر تعقيداً”. وأضاف أن أي تدخل عسكري، خاصةً بتشجيع من إسرائيل، سيؤدي إلى “ولادة مشاكل جديدة وحالة من الغموض لا حل لها”. تركيا ترى أن إسقاط النظام الإيراني بالقوة ليس ممكناً، وأن المشاكل الداخلية يجب أن تحل بالطرق السياسية. التصعيد العسكري، بحسب المسؤول التركي، لن يجد صدى لدى الشعب الإيراني، خاصة بعد الأحداث الأخيرة في غزة.
المخاوف التركية من تداعيات الفوضى في إيران
عبّر مسؤول أمني تركي رفيع المستوى عن قلقه العميق من التداعيات المحتملة لأي عمل عسكري ضد إيران. وأشار إلى أن الفوضى وعدم الاستقرار الناتجين عن التدخل العسكري قد يهددان أمن تركيا ودول المنطقة بأكملها. وتوقع أن موجة هجرة ضخمة من إيران، قد تضم أكثر من 30 مليون شخص من أصول تركية، ستضغط بشدة على تركيا ودول الجوار مثل باكستان وأفغانستان والعراق وتركمانستان. هذه الهجرة الجماعية، بحسب المسؤول، ستؤدي إلى أزمة إقليمية واسعة النطاق، وقد تتجاوز آثارها العالم بأسره. تركيا تؤكد أن أي صراع داخلي في إيران، التي يتجاوز عدد سكانها 90 مليون نسمة، سيكون له تداعيات أكبر وأشد من الأزمة السورية. الاستقرار الإقليمي هو أولوية قصوى لأنقرة.
تقييمات إيرانية وردود فعل محتملة
من جانبها، ترى إيران أن المطالب الأمريكية “غير واقعية”. الباحث الإيراني عباس أصلاني أوضح أن إيران تحتاج إلى تخصيب اليورانيوم لأغراض مدنية وطبية، وأنها تفتقر إلى ضمانات موثوقة من الدول الغربية لتزويدها باليورانيوم المخصب الذي تحتاجه. كما أن البرنامج الصاروخي الإيراني يعتبر ركيزة أساسية في استراتيجية الردع الإيرانية، وأن التخلي عنه سيكون بمثابة “انتحار”. إيران ترفض أيضاً أي تدخل في علاقاتها الإقليمية أو في دعمها للقوى المقاومة، معتبرةً أن هذه القوى محلية نشأت رداً على الاحتلال والسياسات الأمريكية والإسرائيلية. العلاقات الإيرانية الأمريكية تشوبها حالة من عدم الثقة المتبادل.
السيناريوهات المستقبلية المحتملة
في ضوء هذه التطورات، يطرح أصلاني عدة سيناريوهات محتملة للمرحلة المقبلة:
- استمرار الوضع الراهن: وهو السيناريو الأكثر ترجيحاً، مع استمرار التوتر والجمود دون تصعيد كبير.
- تفاهمات محدودة: احتمال ضعيف حالياً، وقد يقتصر على إدارة الأزمة بشكل غير رسمي.
- تصعيد يؤدي إلى أزمة كبرى: احتمال قائم في ظل المساعي الإسرائيلية لتأجيج التوتر.
ويختتم أصلاني بالإشارة إلى أن أي مواجهة مقبلة قد تكون أشدّ حدة من التصعيدات السابقة، وأن إدارة الأزمة وتجنب هذا السيناريو “الكارثي” يمثل التحدي الأكبر لجميع الأطراف.
في الختام، يبرز الدور التركي كقناة اتصال حيوية بين واشنطن وطهران في هذه اللحظة الحرجة. مع استمرار التوترات وتضارب المصالح، يبقى الأمل معلقاً على الجهود الدبلوماسية لمنع الانزلاق إلى صراع أوسع نطاقاً، والحفاظ على الاستقرار الإقليمي.


