في مدينة يقطنها نحو 10.5 ملايين نسمة مثل القاهرة، لم تكن المقاهي مجرد مكان لتناول مشروب سريع، بل جزءًا لا يتجزأ من النسيج الاجتماعي اليومي، وملجأً من ضغوط الحياة المتزايدة، سواء كانت اقتصادية أو اجتماعية أو نفسية. قرار الإغلاق المبكر للمقاهي في مصر أثار تساؤلات حول تأثيره على هذه الثقافة الاجتماعية العميقة، خاصةً بالنسبة لأولئك الذين اعتادوا قضاء ساعات طويلة في هذه المساحات. فماذا يحدث عندما يُغلق “البيت الثاني”؟
المقاهي في مصر: أكثر من مجرد مكان للجلوس
تشير دراسة مصرية حديثة صادرة عن جامعة المنيا إلى الحجم الحقيقي لتأثير الإغلاق في التاسعة مساءً. فقد أظهرت الدراسة أن 74% من رواد المقاهي يتركز نشاطهم بين السادسة والحادية عشرة مساءً. كما كشفت أن 75% من الرواد هم من العزاب، وأن 69% منهم تتراوح أعمارهم بين 21 و25 عامًا. والسبب الرئيسي لارتيادهم المقاهي، بحسب 82% منهم، هو قضاء وقت الفراغ والهروب من الروتين اليومي.
لكن الدور الذي تلعبه المقاهي يتجاوز مجرد الترفيه. فهي تعتبر مساحات مهمة للتواصل وبناء العلاقات، حيث تلعب دورًا حيويًا في “التشبيك” بين الباحثين عن فرص العمل وأصحاب الأعمال. تتحول هذه الأماكن أحيانًا إلى “مكتب عمل” غير رسمي، حيث ينجز الشباب أنشطتهم المهنية ويعززون شبكاتهم الاجتماعية.
الدعم النفسي والاجتماعي: ما وراء فنجان القهوة
بالنسبة للكثيرين، تعتبر المقهى مصدرًا أساسيًا للدعم النفسي. أكرم محمد، شاب في السابعة والثلاثين من عمره، يصف المقهى بأنه أحد أقوى شبكات الدعم في حياته. يقول: “الدعم الذي أحصل عليه يأتي بشكل أساسي من الأصدقاء هناك”. يرى أكرم أن دائرة الأصدقاء تعوضه عن غياب التفاهم داخل الأسرة، ويضيف: “المقهى هو مهرب. تعلمت ذلك خلال جائحة كوفيد-19، عندما شعرت بآلام جسدية ونفسية بسبب عدم القدرة على السهر مع الأصدقاء”.
يعمل أكرم عن بُعد ويقضي وقتًا طويلاً في المنزل، ويعتبر المقهى “المتنفس الوحيد” في نهاية اليوم. حتى أنه تراجع في قبول فرص عمل في الخارج بسبب ارتباطه بالمقهى وأصدقائه. هذه ليست قصة فردية، فالدراسات تشير إلى أن الجلسة الواحدة في المقهى قد تستمر لأكثر من ثلاث ساعات، مما يمنح الرواد شعورًا بالمكانة والتقدير والانتماء.
السخرية كرد فعل: مواجهة الصدمة بالإبداع
تلقى الكثير من المؤثرين قرار الإغلاق المبكر للمقاهي بروح ساخرة. انتشرت مقاطع فيديو تظهر رجالاً في مواقف منزلية غير مألوفة، تعكس الملل الناتج عن عدم القدرة على الخروج. هذه المقاطع، على الرغم من طابعها الكوميدي، تعكس صدمة حقيقية لدى معتادي السهر خارج المنزل.
بالنسبة للكاتب المصري الشاب أنور الوراقي، المقهى ليس مجرد مكان لتناول المشروبات، بل هو مساحة للتأمل والكتابة. لا يرى الوراقي بدائل حقيقية لمن اعتادوا “روتيناً ثابتاً” يشمل المرور اليومي على المقهى. يقول: “تطوير العادات صعب. البدائل المتاحة الآن هي المقاهي الذاتية على الأسطح وفي الجراجات، خاصةً مع عدم وجود مخاطر صحية. ومع دخول فصل الصيف، ستتحول المنازل إلى مقاهٍ بشكل أو بآخر”. ويضيف: “الوضع لن يكون أقسى من أيام كورونا، وعاد الناس إلى المقاهي بعدها وبشكل أكبر”.
بدائل مبتكرة: إعادة تنظيم الحياة الاجتماعية
في الوقت الذي يحاول فيه البعض التغلب على قرار الإغلاق بالبقاء داخل المقاهي في الظلام، يرى الوراقي أن هذا يتعارض مع فكرة المقهى نفسها. “الجلوس على المقهى هو طقس: زاوية معينة، وطاولة ومقعد بعينهما، ولعدة ساعات. من الصعب على من اعتاد هذه الأجواء أن يجلس في الظلام خلف باب مغلق”.
ومع ذلك، لم يستسلم المصريون، بل طوروا بدائل مبتكرة لطقس “القهوة” اليومي:
- مشاهدة المباريات في المنزل أو بيت أحد الأصدقاء (88.15% من رواد المقاهي في المنيا).
- “القهوة الأونلاين”: جلسات دردشة عبر مجموعات واتساب وغرف زووم.
- تبادل الزيارات المنزلية مع الحفاظ على الطقوس نفسها.
- الألعاب الإلكترونية حتى منتصف الليل.
- السهر في المساحات المفتوحة الملحقة بالمنازل.
- إحياء الزيارات العائلية والطقوس المنزلية.
- المشي لمسافات طويلة للتنفيس عن التوتر.
- استعادة دور الشرفات للتواصل الاجتماعي.
- تعلم مهارات جديدة عبر الإنترنت.
نحو حياة حضرية أكثر حيوية
لا تبدو الصورة قاتمة بالكامل. فكما حدث خلال جائحة كوفيد-19، يتوقع الباحثون أن الظروف غير العادية قد تعيد للشوارع جزءًا من حيويتها خلال ساعات الهدوء، وتشجع الناس على اكتساب عادات جديدة، وإيجاد طرق مختلفة للاستمتاع بالوقت وتنمية مهاراتهم. المقاهي قد تكون مغلقة مؤقتًا، لكن الروح الاجتماعية والثقافة التي تمثلها ستستمر في التطور والتكيف مع الظروف الجديدة. القدرة على التكيف وإيجاد بدائل مبتكرة هي سمة مميزة للمجتمع المصري، وستساعده على تجاوز هذه التحديات.















