في أجواء من السرية والتّرقب، تستعد مدينة هامبورغ الألمانية لاستضافة محاكمة ذات أبعاد دولية، تكشف عن قضية مؤلمة تتعلق باستغلال الأطفال عبر الإنترنت. يواجه شاب ألماني من أصل إيراني يبلغ من العمر 21 عامًا، عُرف إعلاميًا باسم “النمر الأبيض”، اتهامات خطيرة تتعلق بالتلاعب النفسي والتسبب في أذىً جسدي ونفسي لأكثر من 30 طفلاً ومراهقًا من دول مختلفة. هذه القضية، التي بدأت تتكشف خيوطها منذ عام 2021، تسلط الضوء على المخاطر المتزايدة التي تواجه الأطفال في الفضاء الرقمي، وتثير تساؤلات حول المسؤولية الجنائية في حالات الاستدراج عبر الإنترنت.
تفاصيل القضية: 204 تهمة خطيرة
من المقرر أن تستمر محاكمة “النمر الأبيض” 82 يومًا، حتى ديسمبر 2026، في محكمة الأحداث بهامبورغ، وذلك نظرًا لكونه ارتكب الجرائم المزعومة وهو قاصر. وتتركز الإجراءات على فحص كميات هائلة من الأدلة الرقمية، بما في ذلك مقاطع الفيديو والرسائل النصية، التي توثق التفاعلات بين المتهم والضحايا.
يواجه المتهم 204 تهمة، تتراوح بين التحرش والضغط النفسي والتسبب في الأذى الذاتي، وصولًا إلى تهم القتل والشروع فيه. يُزعم أنه تلاعب بصبي أمريكي يبلغ من العمر 13 عامًا، مما دفعه إلى الانتحار، وهي جريمة هزت الرأي العام. الضحايا، الذين تتراوح أعمارهم بين 11 و15 عامًا، ينحدرون من ألمانيا والمملكة المتحدة وكندا والولايات المتحدة وفنلندا، مما يضفي على القضية طابعًا دوليًا معقدًا.
“الارتكاب غير المباشر”: جوهر الاتهامات
يكمن الجانب القانوني المعقد في هذه القضية في مفهوم “الارتكاب غير المباشر”. لا يُتهم “النمر الأبيض” بالاعتداء الجسدي المباشر على ضحاياه، بل بالتأثير عليهم نفسيًا بطريقة دفعتهم لإيذاء أنفسهم أو محاولة الانتحار.
تصف لائحة الاتهام نمطًا سلوكيًا متكررًا: يبدأ المتهم بالتقرب من الضحايا عبر شبكات التواصل الاجتماعي ومنصات الألعاب، مستهدفًا القاصرين الذين يعانون من هشاشة نفسية. ثم يسعى للسيطرة عليهم عاطفيًا، ويضغط عليهم لاتخاذ إجراءات متزايدة الخطورة. أما أولئك الذين يرفضون الامتثال، فيتعرضون للابتزاز من خلال التهديد بنشر تسجيلات صوتية خاصة بهم. هذه الأساليب الخبيثة تجعل من الصعب إثبات المسؤولية الجنائية المباشرة، وتتطلب من المحكمة تحديد مدى تأثير المتهم على قرارات الضحايا.
شبكة “764” وتحديات التحقيق في جرائم الإنترنت
تتجاوز القضية مجرد فرد واحد، حيث يشير التحقيق إلى تورط “النمر الأبيض” في شبكة إجرامية دولية أكبر تُعرف باسم “764”. يُزعم أن هذه الشبكة تشجع الأطفال والشباب على الانخراط في سلوكيات خطيرة، بما في ذلك الأفعال الجنسية وإيذاء النفس ومحاولات الانتحار.
تُعد مجموعات الدردشة المغلقة على وسائل التواصل الاجتماعي ومنصات الألعاب بيئة مثالية لازدهار هذه الشبكات، حيث يصعب على السلطات تتبع الأنشطة الإجرامية والوصول إلى الجناة. هذا الأمر يجعل التحقيقات أكثر تعقيدًا وصعوبة، ويتطلب تعاونًا دوليًا فعالًا لمكافحة هذه الظاهرة.
تأخر التحقيقات والانتقادات الموجهة
أثار تأخر القبض على المتهم انتقادات حادة من المحققين الأمريكيين، الذين اعتبروا أن هناك تباطؤًا كبيرًا في متابعة الأدلة. فقد تم استهداف المتهم لأول مرة من قبل الشرطة الألمانية عندما كان يبلغ من العمر 16 عامًا، وخضع للتحقيق في هامبورغ عام 2021. ومع ذلك، لم يتم القبض عليه إلا في يونيو 2025.
تبرر السلطات الألمانية هذا التأخير بالقيود القانونية المتعلقة بالتحقيق مع القاصرين، وبأن الأدلة المتاحة في ذلك الوقت لم تكن كافية لإثبات التهم الخطيرة. ومع ذلك، يظل هذا التأخير موضع جدل، ويثير تساؤلات حول فعالية إجراءات مكافحة جرائم الإنترنت ضد الأطفال.
تزايد حالات الاستدراج عبر الإنترنت: ناقوس خطر
تشير الإحصائيات إلى تزايد مقلق في حالات الاستدراج عبر الإنترنت في ألمانيا. فقد سجلت الشرطة 3,457 حالة في عام 2024، مقارنة بـ 2,580 حالة في عام 2023. ويُرجح أن هذه الأرقام لا تمثل سوى قمة الهرم الجليدي، وأن هناك عددًا كبيرًا من الحالات التي لم يتم الإبلاغ عنها.
تشير دراسات إدارة مكافحة الجريمة في الشرطة إلى أن واحدًا من كل 7 إلى 8 بالغين قد تأثر بهذه الجرائم بطريقة أو بأخرى. هذا الأمر يؤكد على الحاجة الماسة إلى زيادة الوعي بمخاطر الإنترنت، وتوفير الدعم اللازم للضحايا وعائلاتهم.
أهمية الحكم وتأثيره المستقبلي
من المتوقع أن يكون لحكم محكمة هامبورغ تأثير كبير على التحقيقات والإجراءات الجنائية المستقبلية في قضايا مماثلة. سيتعين على المحكمة تحديد مدى المسؤولية الجنائية في الحالات التي لا يتضمن فيها الاعتداء الجسدي المباشر، بل يتم من خلال التهديدات والتبعية والسيطرة الرقمية.
بالإضافة إلى ذلك، فإن العقوبة التي سيُحكم بها على “النمر الأبيض” ستحدد سقف العقوبات المحتملة في قضايا التحرش عبر الإنترنت التي تستهدف الأطفال. نظرًا لتطبيق القانون الجنائي للأحداث، فإن العقوبة القصوى محدودة بعشر سنوات في الجرائم الخطيرة، مما يجعل هذه القضية سابقة قانونية مهمة.
في الختام، تمثل محاكمة “النمر الأبيض” فرصة سانحة لتسليط الضوء على المخاطر المتزايدة التي تواجه الأطفال في الفضاء الرقمي، وتعزيز التعاون الدولي لمكافحة جرائم الإنترنت، وتوفير الحماية اللازمة للضحايا. إنها قضية تتطلب منا جميعًا، كأفراد ومجتمعات، أن نتحمل مسؤوليتنا في حماية أطفالنا من هذه التهديدات الخبيثة.


