تشهد دول عدة موجات الحر الشديدة هذا الصيف، ما دفع أنظمة الصحة والطاقات الطاقية إلى حالة تأهب. موجات الحر اجتاحت مدناً أوروبية وعربية على حد سواء، حيث أظهرت سجلات رصد نقلاً عن وحدة الرصد في شبكة الجزيرة ارتفاعات قياسية في باريس ولندن وبرشلونة، مع تأثير مباشر على الوفيات والحمل على المستشفيات.

في غضون أيام، تجاوزت درجات الحرارة معدلاتها التاريخية بمقدار يصل إلى 16 درجة في باريس و14 درجة في لندن و7 درجات في برشلونة، بحسب البيانات المتاحة. تؤكد التقارير أن هذه الظواهر لا تقتصر على أوروبا بل تمتد إلى الشرق الأوسط وشمال أفريقيا حيث ترفع موجات الحر من معدلات الوفيات وتزيد الطلب على الكهرباء.

موجات الحر وتأثيرها المباشر على الصحة والمجتمع

أظهرت تحليلات ميدانية أن موجات الحر تؤدي إلى ارتفاع حالات الإجهاد الحراري وضربات الشمس خصوصًا بين كبار السن والأطفال ومن يعانون أمراضًا مزمنة. بحسب دراسات طويلة الأمد، بلغت الزيادة السنوية في الوفيات المرتبطة بالموجات الحارة بين 2000 و2019 ما يقارب نصف مليون شخص سنويًا، ما يعكس أبعادًا صحية واجتماعية كبيرة.

في المقابل، تتعرض المستشفيات لضغط متزايد أثناء الموجات الحارة، مع زيادة حالات دخول المستشفى المرتبطة بأمراض القلب والسكري وأمراض الكلى والجهاز التنفسي، وفق بيانات مراكز الوقاية والسيطرة على الأمراض. لذلك تعتبر موجات الحر تحديًا للقدرة الاستشفائية حتى في الدول المتقدمة.

أسباب تصاعد موجات الحر: الاحتباس الحراري والعوامل المحلية

تعود قفزات درجات الحرارة إلى مزيج من الاحتباس الحراري وتغير أنماط الطقس العالمية، بالإضافة إلى عوامل محلية مثل الجزر الحرارية الحضرية. تشير التقارير العلمية إلى أن متوسط درجات الحرارة السطحية ارتفع منذ سبعينيات القرن الماضي، ما أدى إلى زيادات ملحوظة في الأيام والليالي الأكثر حرارة.

من ناحية أخرى، تفاقمت المشكلة محليًا بسبب التوسع العمراني وارتفاع مساحة الأسطح المعبدة والأسمنتية التي تمتص الحرارة نهارًا وتطلقها ليلاً، ما يعرف بالجزر الحرارية. كما يؤدي ارتفاع الرطوبة في بعض المناطق إلى زيادة الإحساس بالحر وصعوبة تبريد الجسم، وبالتالي تعزيز خطر الإصابة بالإجهاد الحراري.

من هم الأكثر عرضة؟ الأمراض المزمنة، السمنة والتكييف

تُشير الأدلة إلى أن مرضى الأمراض المزمنة، بمن فيهم السكري وأمراض القلب، هم الأكثر هشاشة أمام موجات الحر. تنخفض قدرة الأوعية الدموية والآليات التنظيمية لدى هؤلاء المرضى على تبديد الحرارة، ما يزيد خطر الجفاف والاختلاطات القلبية والوفاة.

تُعد السمنة عاملًا إضافيًا يضعف تحمل الجسم للحرارة، إذ تقل مساحة سطح الجسم بالنسبة للكتلة وتتباطأ آليات تبريد الأنسجة. أظهرت دراسات سابقة أن الأنسجة الدهنية تعزل الحرارة وتُقلل من كفاءة تدفق الدم نحو الجلد، ما يسرع ارتفاع الحرارة الداخلية ويزيد الإجهاد على الأعضاء.

في الوقت نفسه، ساهم الانتشار الواسع لأجهزة التكييف في إنقاذ أرواح خلال الموجات الحارة، لكنه طرح سؤالًا علميًا مهمًا: هل أدى الاعتماد المكثف على التكييف إلى تراجع قدرة جسم الإنسان على التأقلم مع الحرارة؟ بعض الباحثين يفترضون أن البقاء لفترات طويلة داخل بيئات مكيفة قد يقلل من التأقلم الحراري الطبيعي، لكن هذا الاستنتاج يحتاج لمزيد من الأبحاث.

الآثار الاقتصادية والطاقية: ارتفاع الطلب على الكهرباء

أدت موجات الحر إلى زيادة استهلاك الكهرباء بصورة حادة، خصوصًا في دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا حيث ارتفعت مبيعات المكيفات بنسبة ملحوظة خلال الأعوام الأخيرة. أفادت تقارير أن الطلب على الكهرباء في بعض المناطق تضاعف أو تضاعف ثلاث مرات بين 2000 و2024، ما يضع ضغوطًا على شبكات التزويد ويزيد احتمالات انقطاع التيار أثناء ذروة الحرارة.

علاوة على ذلك، ينتج عن الاعتماد الواسع على التكييف زيادة في الانبعاثات إذا لم تكن مصادر الطاقة منخفضة الكربون، ما يعيدنا إلى دائرة الاحتباس الحراري ويزيد من تكرار وشدة موجات الحر في المستقبل.

تدابير وقائية وتوصيات صحية

تنصح الجهات الصحية باتباع إجراءات بسيطة لكنها فعالة أثناء موجات الحر: البقاء في أماكن باردة، شرب السوائل بانتظام، تجنب التعرض المباشر للشمس في ساعات الذروة، ومراقبة حالات المرضى المزمنين. كما توصي تقارير الصحة العامة بتهيئة أنظمة إنذار ومراكز تبريد عامة موجهة للفئات الضعيفة.

من الناحية الحضرية، يتطلب الحد من تأثير الجزر الحرارية إجراءات تخطيطية مثل زيادة المساحات الخضراء، استخدام مواد بناء عاكسة للحرارة، وتحسين تصميم المباني لتهوية أفضل. وعلى مستوى الطاقة، يشدد خبراء على ضرورة تطوير شبكات كهرباء مرنة وزيادة حصة الطاقة المتجددة لتلبية الطلب المتزايد دون تكثيف الانبعاثات.

خاتمة: ماذا نتوقع ومتى يجب المتابعة

في ظل استمرار ظاهرة الاحتباس الحراري، من المتوقع أن تستمر موجات الحر في التكرر والاشتداد خلال العقود المقبلة إذا لم تُتخذ إجراءات مناخية وتمدينية وشخصية فعالة. ينبغي متابعة تقارير رصد الطقس والتنبيهات الصحية وعدد حالات الاستشفاء خلال المواسم الحارة القادمة، إذ تمثل هذه المؤشرات بوصلة لتقييم الجاهزية وتعديل السياسات.

يبقى المطلوب تكاملاً بين الحد من انبعاثات غازات الاحتباس الحراري، تطوير البنى التحتية الصحية والطاقة، وتوعية الجمهور حول سُبل الوقاية الفردية. سيشكل ذلك المحور الذي يحدد مدى قدرة المجتمعات على التكيّف مع موجات الحر المستقبلية وحماية الفئات الأضعف.

شاركها.
اترك تعليقاً