في تطور غير مسبوق يضع تحديات جديدة أمام الاستقرار في ميانمار، أعلن الجنرال نيردا ميا، أحد قادة الاتحاد الوطني الكاريني، عن تأسيس دولة مستقلة باسم “كوثولي” في ولاية كارين شرقي البلاد. يأتي هذا الإعلان في خضم صراع دموي مستمر منذ الانقلاب العسكري قبل حوالي خمس سنوات، ويُعدّ تصعيداً كبيراً في المطالب الانفصالية التي لطالما هدّدت وحدة البلاد. هذا التحرك يثير تساؤلات حول مستقبل ميانمار، وتأثيره على القوى الإقليمية والدولية المهتمة بالوضع هناك. هذا المقال يتناول تفاصيل إعلان استقلال كوثولي، الأسباب الكامنة وراءه، والتداعيات المحتملة للخطوة.
خلفية الأحداث: ميانمار والانقلابات المتكررة
شهدت ميانمار (بورما سابقاً) تاريخاً مضطرباً من الانقلابات العسكرية والصراعات الداخلية. الانقلاب الأخير في فبراير 2021، والذي أطاح بالحكومة المدنية المنتخبة بزعامة أونغ سان سوكي، أعاد البلاد إلى حالة من الفوضى والعنف. واجه الجيش الميانماري مقاومة شعبية واسعة النطاق، وتنظيمات مسلحة متعددة، بما في ذلك تلك التي تنتمي إلى الأقليات العرقية، مما أدى إلى حرب أهلية مستمرة. ولاية كارين هي إحدى المناطق التي تشهد أشد المعارك بين الجيش الميانماري ومجموعات المعارضة المسلحة.
إعلان “كوثولي”: أرض أجداد الكارين
في الأول من سبتمبر 2026، أعلن الجنرال نيردا ميا عن تأسيس “كوثولي” (الأرض الخالية من الظلام باللغة الكارينية) كدولة مستقلة، وتولى بنفسه منصب الرئيس. تم الإعلان في مخيم أو كياو كي ببلدة تشوكالي بولاية كارين، بحضور أكثر من 400 شخص من المدنيين والقادة العسكريين وجنود الكارين. تضمن الحفل استعراضاً عسكرياً وتقديم أعضاء الحكومة الجديدة.
الجنرال نيردا ميا برر هذه الخطوة بالقول إن حكومة ميانمار الحالية قد انهارت، وأن شعب الكارين لديه الحق في إقامة دولة خاصة به. وأشار إلى أن شعب الكارين يعاني من القمع والتمييز منذ أكثر من سبعة عقود، بدءًا من عام 1949. هذا التاريخ الطويل من المعاناة كان دافعاً رئيسياً لمثل هذا الإعلان الجريء.
بناء دولة “كوثولي”: الخطوات الأولية
تسعى الحكومة الجديدة لـ”كوثولي” إلى وضع سياسات تضمن حقوق شعب الكارين وتعزز الاستقرار. تشمل هذه السياسات إصدار بطاقات هوية وطنية خاصة بهم، وإجراء انتخابات برلمانية كل أربع سنوات. على الرغم من ذلك، لا تزال الحدود الإقليمية للدولة المعلنة غير محددة بشكل واضح.
وتأمل “كوثولي” في التوسع ليشمل ولايات المون وتيناسيريم في جنوب شرق ميانمار، بالإضافة إلى مقاطعتا باغو وأيياروادي. لكن تحقيق هذا الطموح يواجه تحديات كبيرة، نظراً للوجود القوي لقوات أخرى في تلك المناطق، والصراع الدامي المستمر.
الأسباب الجذرية للانفصال: قمع الأقليات وتطلعات الحكم الذاتي
يعود إعلان استقلال كوثولي إلى عدة عوامل، أبرزها تاريخ طويل من التمييز والقمع الذي تعرض له شعب الكارين. لطالما طالب الكارين بحقوق سياسية أوسع وحكم ذاتي، لكن هذه المطالب لم تلقَ آذاناً صاغية من الحكومات المركزية المتعاقبة في ميانمار.
بالإضافة إلى ذلك، فإن ضعف الحكومة المركزية بعد الانقلاب العسكري، وتزايد قوة الجماعات المسلحة، خلق فرصة لشعب الكارين لفرض رؤيته الخاصة بشأن مستقبلهم. ويرتبط إعلان “كوثولي” أيضاً بالانفصال عن الهيكل التاريخي للاتحاد الوطني الكاريني، والذي تأسس عام 1947، واعتُبر المنظمة الأم للقومية الكارينية لعقود طويلة.
التداعيات المحتملة: رؤية إقليمية ودولية
يثير هذا الإعلان قلقاً بالغاً بشأن مستقبل ميانمار، وتفاقم الأزمة الإنسانية المتواصلة. من المتوقع أن يشهد الصراع في البلاد تصعيداً جديداً، حيث سيحاول الجيش الميانماري استعادة السيطرة على الأراضي التي أعلنتها “كوثولي” مستقلة.
الوضع في ميانمار يراقب عن كثب من قبل القوى الإقليمية والدولية، بما في ذلك دول آسيان، والولايات المتحدة، والأمم المتحدة. قد يؤدي إعلان “كوثولي” إلى مزيد من الضغط الدولي على الجيش الميانماري لإنهاء العنف واستعادة الديمقراطية.
موقف القوى الكارينية الأخرى
من المهم ملاحظة أن إعلان “كوثولي” لم يحظَ بدعم جميع الفصائل الكارينية. حتى الآن، لم تعلن أي من الفصائل الأخرى دعمها أو مشاركتها في مشروع الانفصال. يرى المراقبون أن إعلان الدولة المستقلة قد يكون بمثابة “سقف” سياسي مرتفع للمفاوضات والمساومات المستقبلية، بدلاً من أن يكون خاتمة نهائية للعملية السياسية.
مستقبل “كوثولي”: بين الطموح والتحديات
المستقبل لا يحمل وعوداً سهلة لـ “كوثولي”. على الرغم من تطلعاتها إلى بناء نظام ديمقراطي واقتصاد حر، إلا أنها تواجه تحديات هائلة، بما في ذلك نقص الموارد، وانعدام الاستقرار، والصراع العسكري.
ولكن، يبقى إعلان استقلال كوثولي علامة فارقة في تاريخ ميانمار، ورمزاً لإرادة شعب الكارين في تحديد مصيره بنفسه. وسيتطلب حل هذه الأزمة حواراً شاملاً بين جميع الأطراف المعنية، وتقديم تنازلات متبادلة، والالتزام بمبادئ الديمقراطية وحقوق الإنسان. الوضع في ميانمار يتطلب اهتماماً دولياً متزايداً، وجهوداً مكثفة لإيجاد حل سلمي ومستدام.


