أفريقيا الوسطى تتشبث بمرتزقة فاغنر رغم التحولات الروسية
في تطور لافت يثير التساؤلات حول مستقبل العلاقات الأمنية في القارة الأفريقية، تظل جمهورية أفريقيا الوسطى الدولة الوحيدة التي ترفض الاستغناء عن قوات فاغنر لديها، بالرغم من التغييرات الجذرية التي طرأت على هذا التنظيم العسكري الخاص إثر وفاة زعيمه يفغيني بريغوجين. هذا التمسك يأتي في وقت نجحت فيه روسيا في إخضاع فروع فاغنر في دول مثل مالي وبوركينا فاسو لسيطرة وزارة الدفاع الروسية. تتزايد الأهمية الاستراتيجية لـ فاغنر في أفريقيا الوسطى، خاصةً مع الضغوطات الدولية المتزايدة على خلفية اتهامات بانتهاكات حقوقية.
الموقف الأفريقي الوسطي: مقاومة للانتقال إلى “الفيلق الأفريقي”
كشفت صحيفة لوموند الفرنسية، في تقرير مفصل لمراسلها الخاص في أفريقيا الوسطى، بونوا فيتكين، عن ممانعة قوية من جانب السلطات في بانغي للانتقال بقوات فاغنر إلى هيكل جديد تحت اسم “الفيلق الأفريقي”. وتشير التقارير إلى أن موسكو تسعى لإضفاء الشرعية على هذا الهيكل الجديد، خاصةً بعد الهزات التي تعرض لها التنظيم. يقدّر الخبراء العسكريون عدد عناصر فاغنر المتمركزين في أفريقيا الوسطى بحوالي 1500 مقاتل، وقد نجحوا في الاندماج بشكل ملحوظ في النسيج الأمني المحلي.
دائرة النفوذ المتزايدة لفاغنر
لم يقتصر دور فاغنر في أفريقيا الوسطى على الجانب العسكري فحسب، بل تمكن قائد المجموعة، ديمتري سيتي، من أن يصبح مستشارًا شخصيًا للرئيس، مما يعكس مدى الثقة التي توليها السلطات المحلية للروس. وتشير التقارير إلى أن العديد من المسؤولين الروس قد سافروا إلى بانغي في الفترة الأخيرة لإبرام اتفاقية رسمية تحوّل فاغنر إلى “الفيلق الأفريقي”، على أن يتم الإعلان عن ذلك في المستقبل القريب.
العائق المالي: نقطة الخلاف الرئيسية في صفقة التحول
تكمن العقبة الرئيسية أمام هذا التحول في الجانب المالي، حيث تعتمد مجموعة فاغنر على نموذج تمويل ذاتي من خلال استخراج الموارد الطبيعية في أفريقيا الوسطى، وخاصة الذهب بالإضافة إلى الألماس والأخشاب. في المقابل، تطالب موسكو حاليًا بدفع مبالغ نقدية كبيرة مقابل خدمات “الفيلق الأفريقي” الجديد، تتراوح بين 4 إلى 15 مليون دولار شهريًا، وهو عبء مالي يفوق قدرة الدولة الأفريقية، التي تعاني من تحديات اقتصادية جمة. التمويل الذاتي لفاغنر كان أحد أسباب نجاحهم في البقاء والتأثير في المنطقة.
فاغنر: “العمود الفقري” للاستقرار السياسي والعسكري
منذ عام 2018، لعبت مجموعة فاغنر دورًا حاسمًا في الحفاظ على استقرار السلطة في بانغي، حيث ساهمت في منع سقوط العاصمة عام 2020 واستعادة السيطرة على مناطق واسعة من البلاد كانت تحت سيطرة الجماعات المسلحة. ورغم مقتل أبرز قيادات التنظيم، يفغيني بريغوجين وديمتري أوتكين، في ظروف غامضة في روسيا في أغسطس/آب 2023، لا يزال تمثالهما يقف شامخًا أمام “البيت الروسي” في بانغي، كرمز للشراكة الاستراتيجية التي ترفض السلطات الأفريقية الوسطية التخلي عنها.
أهمية شخصية وأمنية للقيادة الأفريقية الوسطية
يعتبر فاغنر بالنسبة للنظام في بانغي أكثر من مجرد قوة عسكرية أجنبية؛ فهي تمثل شريكًا أساسيًا على المستويين الشخصي والأمني. ويؤكد باسكال كويغبيلي، وزير الأشغال الكبرى في أفريقيا الوسطى وأحد مهندسي الحوار مع موسكو، أن الروس “تأقلموا مع الأدغال” وأقاموا علاقات اجتماعية قوية في البلاد. ويضيف كويغبيلي في تصريحات لصحيفة لوموند: “لا توجد شفافية كاملة في ما يتعلق بالدفاع”، معتبرًا أن ما يحدث هو “مشكلة روسية داخلية وإعادة هيكلة من جانبهم”. حتى السفير الروسي في بانغي، ألكسندر بيكانتوف، يقر بأنه غير ملم بتفاصيل هذه التغييرات.
الخلافات الدولية وانتقادات حقوق الإنسان
ورغم الاستقرار النسبي الذي تساهم فيه فاغنر، فإن تواجدها في أفريقيا الوسطى يثير انتقادات دولية متزايدة، خاصةً على خلفية تقارير الأمم المتحدة المتواترة التي توثق حالات إعدام خارج نطاق القانون، واغتصاب، وانتهاكات حقوقية أخرى، وسط حالة من “الإفلات التام من العقاب”. الوضع الحقوقي في أفريقيا الوسطى يشكل مصدر قلق بالغ للمجتمع الدولي.
مستقبل فاغنر في أفريقيا الوسطى: الانتظار بنتائج الانتخابات
في الوقت الحالي، تواصل السلطات الأفريقية الوسطية التمسك بـ”فاغنر” بانتظار إعلان نتائج الانتخابات الرئاسية التي جرت في يناير/كانون الثاني الحالي. ويرى المراقبون أن نتائج هذه الانتخابات قد تكون نقطة تحول حاسمة تحدد مستقبل الشراكة بين بانغي وموسكو، وما إذا كانت ستنتقل إلى هيكل “الفيلق الأفريقي” الجديد أم لا. يبقى السؤال مطروحًا: هل ستتمكن أفريقيا الوسطى من إيجاد بديل لفاغنر يضمن لها الأمن والاستقرار دون التضحية بسمعتها الدولية؟


